مقالات رأي

محكمة 7/24 – محكمة لا تنام مقال للدكتور أحمد عبد الظاھر أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاھرة

       

       

       

       

       


من الطبيعي أن نسمع عن صيدليات تعمل في كل الأوقات، وفي جميع أيام الأسبوع دون توقف، حيث تحرص السلطات العامة على الإعلان عن قائمة الصيدليات التي تعمل لمدة 24 ساعة يومياً وفي كل أيام الأسبوع السبعة. كذلك، من الطبيعي أن تعمل المستشفيات العامة والخاصة بدون توقف، وبحيث يكون فيها طاقم طوارئ في غير أوقات العمل الرسمية. ولا يحتاج المرء إلى بذل عناء كبير في تبرير ذلك، وذلك بالنظر لحاجة الناس إلى الرعاية الصحية، ولأن المرض قد يداهم بني البشر في أي وقت من أوقات الليل والنهار، وقد يؤدي تأخير العلاج إلى الموت أو إلى ضرر بالغ يتعذر تداركه بعد ذلك.

وفيما يتعلق بمرفق القضاء، يلاحظ أن النظم القضائية تحرص منذ عهد بعيد على أن تعمل النيابة العامة في الفترة المسائية، حتى لا يتأخر رد فعل النيابة العمومية إزاء البلاغات والحوادث الجنائية التي تصل إلى علم السلطات بعد مواعيد العمل الرسمية. ولكن، التساؤل يثور حول ما إذا كان ممكناً تطبيق ذات الإجراء في المحاكم الجنائية والمدنية، بحيث يتم اتخاذ الإجراءات دونما تأخير، وصولاً إلى تحقيق حلم الفصل في الدعوى خلال فترة وجيزة، وربما خلال يوم واحد فقط في بعض المنازعات والأقضية البسيطة.

والواقع أن حاجة الناس إلى العدالة لا تقل عن حاجتهم إلى العلاج والدواء، والفرد يئن من وطأة الظلم ولو كان ذلك خلال سويعات معدودة. كذلك، فإن القضاء العادل الناجز هو دعامة أساسية لتعزيز البيئة الاستثمارية في الدولة وجذب رؤوس الأموال الأجنبية. ومن ثم، يغدو من الضروري أن يعمد مرفق القضاء إلى تطوير نفسه وتحديث إجراءاته بما يكفل سرعة الفصل في الدعاوى والأقضية والمنازعات. وربما تكون نقطة البداية في هذا الاتجاه هي تبني منهاج أو خطة عمل رامية إلى تحقيق وتدشين مبادرة محكمة 24/ 7. وما قد يظنه البعض حلماً بعيد المنال، قد يكون قريباً من الواقع بشيء من التأمل والعزم والإرادة، لاسيما في ظل الثورة التكنولوجية التي نعيشها حالياً والتي أدت إلى تذليل العديد من الصعوبات والعوائق. فالتقاضي الالكتروني قد جعل ممكناً القيام ببعض الإجراءات في أي وقت، دون التقيد بمواعيد العمل الرسمية، وبصرف النظر عما إذا كان المحدد للقيام بالإجراء هو يوم عمل عادي أو أحد أيام الإجازة الأسبوعية أو أحد أيام العطلات الرسمية. فعلى سبيل المثال، وفي ظل التقاضي الالكتروني، غدا ممكناً القيام بالإعلانات والتبليغات القضائية، وقيد الدعاوى والطعون، والفصل فيها، والحصول على نسخة من الحكم في أي وقت، ولو بعد أوقات ومواعيد العمل الرسمية. وحتى تتضح الأمور أكثر، نرى من الملائم تقسيم الموضوع إلى عدة محاور أو نقاط، على النحو التالي:

مدى جواز إجراء الإعلانات القضائية في غير أوقات العمل الرسمية

في ظل نظم التقاضي التقليدية، وقبل أن يظهر التقاضي الالكتروني، كانت القاعدة المقررة في معظم التشريعات الإجرائية، هي عدم جواز إجراء الإعلانات والتبليغات القضائية قبل شروق الشمس أو بعد غروبها. ومع ذلك، فإن هذا الحظر ليس مطلقاً. إذ يجوز إجراء الإعلان في أي وقت في حالات الضرورة وبإذن كتابي من القاضي. فعلى سبيل المثال، ووفقاً للمادة السابعة من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم (13) لسنة 1968م، «لا يجوز إجراء أي إعلان أو تنفيذ قبل الساعة السابعة صباحاً ولا بعد الساعة الثامنة مساءً ولا في أيام العطلة الرسمية، إلا في حالات الضرورة وبإذن كتابي من قاضى الأمور الوقتية». وفي دولة الكويت، وطبقاً للمادة السادسة من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بالقانون رقم (38) لسنة 1980م، «لا يجوز إجراء أي إعلان أو تنفيذ قبل الساعة السابعة صباحاً أو بعد الساعة السابعة مساءً أو في أيام العطلة الرسمية، إلا في حالات الضرورة وبإذن مكتوب من قاضي الأمور الوقتية أو مدير إدارة التنفيذ. ويترتب البطلان على مخالفة أحكام هذه المادة». وفي سلطنة عمان، ووفقاً للمادة السابعة من قانون الإجراءات المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 29 لسنة 2002م، «لا يجوز إجراء أي إعلان أو تنفيذ قبل الساعة السابعة صباحاً ولا بعد الساعة الخامسة مساءً ولا في أيام العطلات الرسمية، إلا في حالات الضرورة وبإذن كتابي من قاضي الأمور الوقتية أو قاضي التنفيذ بحسب الأحوال». وفي دولة قطر، ووفقاً للمادة الرابعة من قانون المرافعات المدنية والتجارية، الصادر بالقانون رقم (13) لسنة 1990م، «لا يجوز إجراء أي إعلان أو تنفيذ قبل الساعة السابعة صباحًا ولا بعد الساعة الخامسة مساءً، ولا في أيام العطلات الرسمية، إلا في حالات الضرورة وبإذن كتابي من قاضي الأمور الوقتية. ويجب أن يثبت هذا الإذن في أصل الإعلان وصورته. ويكون قاضي الأمور الوقتية في محكمة الاستئناف وفي المحكمة المدنية أي من قضاتها».

خلافاً لما سبق، فإن النظم القضائية التي تبنت نظام الإعلانات الالكترونية تقرر بشكل واضح وصريح جواز إجراء هذا النوع من الإعلانات والتبليغات القضائية في أي وقت من أوقات النهار أو الليل وفي كل الأيام ولو كان يوم إجازة أسبوعية أو عطلة رسمية. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، تنص المادة الرابعة من اللائحة التنظيمية للقانون الاتحادي رقم (11) لسنة 1992 بشأن قانون الإجراءات المدنية «1. لا يجوز إجراء أي إعلان أو البدء في إجراء من إجراءات التنفيذ بواسطة القائم بالإعلان أو التنفيذ قبل الساعة السابعة صباحاً ولا بعد الساعة التاسعة مساءً ولا في أيام العطلات الرسمية إلا في حالات الضرورة وبإذن من القاضي المشرف أو رئيس الدائرة المختصة أو قاضي الأمور المستعجلة. 2. إذا كان الإعلان بأحد وسائل التقنية الحديثة سواء لأشخاص طبيعية أو اعتبارية خاصة فلا تسري المواعيد المنصوص عليها في البند (1) من هذه المادة. 3. بالنسبة للحكومة والأشخاص الاعتبارية العامة يكون موعد الإعلان أو بدء التنفيذ فيما يتعلق بنشاطها في مواعيد عملها». والمستفاد من هذا النص أن أوقات الإعلان المنصوص عليها في البند الأول لا تسري في حالة الإعلان بأحد وسائل التقنية الحديثة، سواء لأشخاص طبيعية أو اعتبارية خاصة. ومفاد ذلك ومؤداه هو جواز إجراء الإعلان الالكتروني في أي وقت، ولو كان ذلك قبل الساعة السابعة صباحاً أو بعد الساعة التاسعة مساءً، كما يجوز إجراؤه في أيام العطلات الرسمية، وبغض النظر عن توافر حالات الضرورة من عدمه، ودونما حاجة لإذن من القاضي المشرف أو رئيس الدائرة المختصة أو قاضي الأمور المستعجلة. ويتضح مما سبق أن هذا الحكم قد فتح الباب أمام تصور أداء مرفق القضاء خدماته طوال اليوم وفي كل أيام الأسبوع وفي كل أيام العطلات الرسمية والإجازة الأسبوعية.

وفي المملكة العربية السعودية، وفي جلسته المنعقدة عن بعد يوم الثلاثاء الموافق الرابع عشر من يوليو 2020م، وافق مجلس الشوري على عدد من التعديلات المقترحة على نظام الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات الشرعية، وذلك بإضافة فقرة تحمل الرقم (2)، وتعديل مادة منه بإضافة عبارة «وإن كان التبليغ عن طريق إحدى الوسائل الإلكترونية فيجوز إجراؤه في أي وقت» إلى عجز المادة، وتعديل المادة (13) منه بإضافة فقرتين تاليتين إليها، وتعديل المادة (16) منه بإضافة العبارة التالية «أو كان بإحدى الوسائل الإلكترونية المنصوص عليها في المادة (13) من النظام إلى عجز المادة». كما تضمن القرار الموافقة على تعديل (المادة الثالثة) من نظام المرافعات أمام ديوان المظالم وذلك بإضافة عبارة «أو بإحدى الوسائل الإلكترونية المنصوص عليها في نظام المرافعات الشرعية» إلى عجز المادة وتعديل المادة (الرابعة) منه، وكذلك تعديلاً على المادة (218) من نظام الإجراءات الجزائية بإضافة فقرة (2) إلى هذه المادة ليكون نصها بعد التعديل. وهكذا، وبموجب المرسوم الملكي رقم (م/ 18) وتاريخ 15/ 1/ 1442ه، تم تعديل المادة الثانية عشرة من نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/ 1) وتاريخ 22/ 1/ 1435ه، بحيث غدا نصها على النحو التالي: «لا يجوز إجراء أي تبليغ في مكان الإقامة قبل شروق الشمس ولا بعد غروبها، ولا في أيام العطل الرسمية، إلا في حالات الضرورة وبإذن كتابي من القاضي، ويجوز إجراؤه في أي وقت إذا كان عن طريق إحدى الوسائل الإلكترونية».

ورغم أن مملكة البحرين أقرت نظام الإعلانات القضائية الالكترونية، إلا أنها تخلو من أي تحديد لوقت الإعلان، سواء بالحظر أو بالإباحة، ويستوي في ذلك كل من التقاضي التقليدي أو التقاضي الالكتروني. بيان ذلك أن قانون المرافعات المدنية والتجارية البحريني، الصادر بالمرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1971م، تناول الإعلان والإحضار في المواد من 32 إلى 39، ولكنه لم يتعرض لوقت الإعلان في أيام العمل الأسبوعية أو مدى جواز الإعلان حال العطلات الرسمية. ونفس الملاحظة تصدق على المرسوم بقانون رقم (26) لسنة 1986 بشأن الإجراءات أمام المحاكم الشرعية، والذي تناول أحكام الإعلان والإحضار في المواد من 13 إلى 35، دون أن يتعرض إلى وقت الإعلان أو إمكانية الإعلان في العطلات الرسمية. وإذا كان المشرع البحريني قد تبنى نظام الإعلانات الالكترونية، حيث صدر قرار وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف رقم (89) لسنة 2018 بشأن تنظيم إعلان الأوراق القضائية بالوسائل الإلكترونية، إلا أن هذا القرار قد ورد بدوره خلواً من النص على وقت إجراء الإعلان في أيام العمل الأسبوعية ومدى جواز القيام به في أيام العطلات الرسمية. إذ تنص المادة الثانية منه على أن «تُعتمَد وسيلتا البريد الإلكتروني والرسائل النَّصِّية القصيرة لإعلان الأوراق القضائية في الدعاوى المدنية والتجارية والجنائية والشرعية». وتنص المادة الثامنة من القرار ذاته على أن «يُعتبَر الإعلان طبقاً لأحكام هذا القرار مُنتِجاً لكافة آثاره القانونيّة من تاريخ إرساله إلى المُعلَن إليه».

مدى إمكان قيد الدعاوى والطعون في أيام العطلات الرسمية

فيما يتعلق بمواعيد الطعن، ينعقد إجماع التشريعات الإجرائية المقارنة على امتداد مواعيد الطعن، إذا ما صادف آخر يوم في الميعاد عطلة رسمية. فعلى سبيل المثال، وطبقاً للمادة الثامنة عشرة من قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم (13) لسنة 1968م، «إذا صادف آخر الميعاد عطلة رسمية امتد إلى أول يوم عمل بعدها». وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تنص المادة التاسعة البند (5) من اللائحة التنظيمية للقانون الاتحادي رقم (11) لسنة 1992 بشأن قانون الإجراءات المدنية، «في جميع الأحوال، إذا صادف آخر الميعاد عطلة رسمية امتد الميعاد إلى أول يوم عمل بعدها». وفي المملكة العربية السعودية، ووفقاً للمادة الثانية والعشرين الفقرة الثالثة من نظام المرافعات الشرعية، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/ 1) وتاريخ 22/ 1/ 1435ه، «إذا صادف آخر الموعد عطلة رسمية امتد إلى أول يوم عمل بعدها». وفي دولة الكويت، وطبقاً للمادة السابعة عشرة الفقرة الرابعة من قانون المرافعات المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم رقم (38) لسنة 1980م، «إذا صادف آخر الميعاد عطلة رسمية امتد إلى أول يوم عمل بعدها». وفي مملكة البحرين، وطبقاً للمادة (333) الفقرة الخامسة من قانون المرافعات المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم بقانون رقم (12) لسنة 1971م، «إذا صادف آخر الميعاد عطلة رسمية امتد إلى أول يوم عمل بعدها». وفي سلطنة عمان، ووفقاً للمادة التاسعة عشرة من قانون الإجراءات المدنية والتجارية، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 29 لسنة 2002، «إذا صادف آخر يوم في الميعاد عطلة رسمية امتد الميعاد إلى أول يوم عمل بعدها». وفي دولة قطر، تنص المادة الثالثة عشرة من قانون المرافعات المدنية والتجارية، الصادر بالقانون رقم (13) لسنة 1990م، على أنه «إذا صادف أخر يوم في الميعاد عطلة رسمية امتد الميعاد إلى أول يوم عمل بعدها».

والمستفاد من النصوص سالفة الذكر هو أن اجماع التشريعات الإجرائية العربية منعقد على امتداد مواعيد الطعن، متى صادف آخر يوم في الميعاد عطلة رسمية. ويفترض هذا الحكم عدم إمكانية قيد الطعن في أيام العطلات الرسمية، مقرراً بالتالي امتداد مواعيد الطعن في هذه الحالة. والواقع أنه في ظل التقاضي الالكتروني، ومع اتاحة إمكانية القيد الالكتروني للطعون في غير أوقات العمل الرسمية وفي أيام العطلات الرسمية، يصبح القول بامتداد مواعيد الطعن لا محل له ولا مسوغ يبرره، ويغدو من الطبيعي بالتالي إلغاء هذا الحكم. ومن شأن هذا التعديل تدعيم الاتجاه نحو أداء مرفق القضاء خدماته دونما انقطاع وفي كل الأوقات وكل أيام الأسبوع، وصولاً إلى فكرة (محكمة 24/7).

المحكمة الافتراضية محكمة على مدار الساعة

إن التقاضي الافتراضي يفتح الباب أمام الفصل في المنازعات في كل أيام الأسبوع، ودونما تقيد بمواعيد الدوام الرسمي. وقد بدأت دائرة القضاء في إمارة أبو ظبي الخطوة الأولى في هذا الاتجاه من خلال إصدار القرار الإداري رقم (87) لسنة 2020 بتشكيل لجنة لدراسة إنشاء محكمة افتراضية للمطالبات البسيطة. وطبقاً للمادة الثانية من هذا القرار، تتولى اللجنة «دراسة مدى جواز ملاءمة إنشاء محكمة افتراضية للمطالبات البسيطة، بحيث تتم إجراءاتها كافة بالطريق الالكتروني، دون حاجة لأي تدخل بشري، وبدون حضور الأطراف، وإعداد خطة العمل اللازمة في هذا الشأن، متضمنة كافة مراحل الدعوى ابتداءً من قيد المنازعة، مروراً بالتسوية الودية لها، تم قيد الدعوى في حال فضل الوساطة وتقديم المستندات، وذلك حتى صدور الحكم الفاصل في موضوع الدعوى». وهذه الفكرة مستوحاة من فكرة المحكمة الافتراضية الكندية للمطالبات البسيطة.

وفي الختام، ومن خلال استقراء آخر المستجدات التشريعية في نظم للتقاضي، وباستشراف المستقبل في شأن إجراءات التقاضي الالكتروني والامتداد الطبيعي له متمثلاً في نظم التقاضي الذكي أو نظم القضاء الرقمي، يبدو مستساغاً القول إن المستقبل القريب سوف يشهد محاكم على مدار الساعة أو محاكم لا تنام. والله من وراء القصد…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *