رئيس التحرير

أرشد الحامدي

رئيس التحرير التنفيذي

سمير سعيد

مدير التحرير

وفاء رمضان

نواب مدير التحرير

آيه القصاص
محمد عوض

رئيس التحرير

أرشد الحامدي

رئيس التحرير التنفيذي

سمير سعيد

مدير التحرير

وفاء رمضان

نواب مدير التحرير

آيه القصاص
محمد عوض

عادل اليماني  يكتب كأَنّي أَكَلْتُ

 

في بلادِ اللهِ ، آلافُ المساجدِ ، كلٌّ منها يحملُ اسماً يخصُه ، ويدلُ علي الرسالةِ المرجوةِ منه ، فهَذَا ( التقوي ) وذاكَ (الإيمانُ ) وثالثُهم ( الرحمةُ ) وغيرُ ذلكَ .

وكثيراً ما تتشابهُ الأسماءُ ، وقليلاً تختلفُ ، لكنَّها ، وفي كُلِّ الأحوالِ ، تسيرُ في نَسقٍ واحدٍ ، وهو الإيمانُ باللهِ تَعَاَلي ، إذ هو منهاجُ كُلِّ المساجدِ ، في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ .

( كأَنّي أَكَلْتُ ) ! لَيْسَ وصفاً لحالٍ ، بل اسمٌ لمسجدٍ ! نوعٌ غريبٌ من الأسماءِ .

كيفَ ذلكَ ؟ وما معني هَذَا الاسمِ العجيبِ؟! الذي يبتعدُ كثيراً عن توقعاتِ ومُراداتِ أسماءِ بيوتِ اللهِ .

وراءَ الأمرِ قصةٌ لا تخلو من الغرابةِ والإلهامِ .

تبدأُ قصةُ هَذَا المسجدِ العريقِ ، الذي بُني منذُ نحوِ أربعمائة عامٍ ، في العهدِ العثمانيِّ ، بأحدِ ضواحي إسطنبول ، على يدِ رجلٍ يُدعى (خيرَ الدِين كججي أفندي ) وكانَ الرجلُ حقاً وصدقاً ، خيراً للدِين .

يُحكى أنَّ هَذَا الأخيرَ ، كانَ يمشي بالأسواقِ ، ويرى الأطايبَ من الطعامِ والشرابِ أمامَه ، مستشعراً الرغبةَ فيها ، والضعفَ أمامَها ، شأنُه شأنُ الناسِ جميعاً ، لكنَّ خيرَ الدِين ، كانَ له رأيٌّ آخرُ ! فلم يسعَ لإرضاءِ شهواتِ نفسِه ، بل كانَ يضعُ ثمنَ ما اشتهاه في صندوقٍ ، يحتفظُ به في بيتِه ، مواسياً نفسَه ، ومحاولاً إقناعَها ، بأنَّه نالَ ما اشتهي ، مردداً : كأَنّي أَكَلْتُ !

تمرُ الأيامُ ، وتتوالي السنون ، ويُصبحُ الصندوقُ قادراً علي بناءِ مسجدٍ متواضعٍ ؛ لتتحققَ بذلكَ الأمنيةُ التي طالَ انتظارُها ، وجمعَ كُلَّ هَذَا المالِ لأجلِها ، ومن أجلِها أيضاً ، كانَ حرمانُه !

المسجدُ شديدُ البساطةِ ، مساحتُه تزيدُ قليلاً عن مائةِ مترٍ مربعٍ ، لا يتسعُ إلا لمأتي مُصلٍ بالكادِ ، وصُمِمَ في بدايتِه ، بدونِ أسقف ! وبأسوارَ منخفضةٍ !

لم يكنْ خيرُ الدِينِ صحابياً ، ولا تابعياً ، كانَ فقيراً ، كما لم يكنْ مُطالَباً بهَذَا العملِ ، بمفردِه .

لم يكنْ حُلُمُه بناءَ بيتٍ لنفسِه ، بل بناءَ بيتٍ للهِ ، يُذكرُ فيه اسمُه .

كانَ الرجلُ تقياً نقياً زاهداً ورعاً ، آثرَ الآخرةَ علي الدُنيا ، تحوي ضلوعُه قلباً ، تغلغلَ الإيمانُ في أعماقِه .

ما هَذَا يا جابر ؟ هكذا سألَه أميرُ المؤمنين ، عمرُ ابْنُ الْخَطَّابِ ، رضي اللهُ عنه وأرضاه ، لما رأي لحماً مُعلقاً بيديِّه ، فأجابَ : اشتهيتُ لحماً فاشتريتُه . فقالَ : أو كلما اشتهيتَ اشتريتَ ، يا جابر ! أما تخافُ هَذِهِ الآيةَ : اَذْهَبتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا .

مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ وهكذا سألَه رسولُ اللهِ ، صلي اللهُ عليه وسلمَ ، قلتُ : يا نبيَّ اللهِ ، وما ليَّ لا أبكي ، وهَذَا الحصيرُ قد أثرَ في جنبِك ! وذاكَ قيصرُ وكسرى في الثمارِ والأنهارِ ، فقالَ ( ص ) : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ ، وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ قلتُ : بلى يا رسولَ اللهِ .

خيرُ الدِين ، عاشَ فقيراً ، وماتَ كذلكَ ، فارقَ الدُنيا وبقي أثرُه فيها ، أثرٌ سطرَه التاريخُ إلي الآن ، وكتبَه بأحرفٍ من نورٍ ، فوقَ صحائفَ من ذهبٍ .

وفي حياتِنا أقوامٌ ، أغدقَ اللهُ عليهم من النِعَمِ ، ما لا تُصدقُه العُقولُ ، فكانَ سعيُّهم في الدُنيا ، نحوَ قصورٍ منيفةٍ ، ومركباتٍ فارهةٍ ، ورَغَدٍ من العَيشِ !

هل بنوا مدرسةً ؟ لا

هل داووا مريضاً ؟ لا

هل أغاثوا ملهوفاً ؟ لا

هل أعانوا أرملةً ؟ لا .

هؤلاءِ أحياءٌ فعلاً ، بحُكم الشهيقِ والزفيرِ ، لكنَّهم أمواتٌ حقاً ، بحُكمِ الهدفِ والغايةِ .

قد ماتَ قومٌ وما ماتَتْ فضائلُهم .. وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتٌ..

فيسبوك
تويتر
واتسآب
إيميل
طباعة

أقرأ ايضاً