مقالات رأي

محاكمة الانترنت.. حوار الأصدقاء

بقلم الدكتور / أحمد عبد الظاهر - أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة

 

تعليقاً على مقالنا عن «الحق في الانترنت»، وفي رسالة عبر الواتس آب، يقول الصديق العزيز المستشار الجليل حاتم داوود، نائب رئيس مجلس الدولة: «اعتقد أنه في الوقت الذي يصبح فيه تقديم الخدمات الحكومية عن طريق الانترنت والانترنت فقط فإن الانترنت سوف يصبح حقاً أكيداً للمواطن». وفي الاتجاه ذاته، وفي تعليق على صفحتي العامة على الفيس بوك، يقول سعادة الأستاذ/ شوقي محمد، وكيل أول الوزارة بالجهاز المركزي للمحاسبات، «اعتقد ان هذا الحق في استخدام الانترنت سوف تشمله دساتير العالم قريبا ان شاء الله». وبدورها، وفي تعليق على صفحتي العامة على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، تقول الأستاذة الفاضلة المحاسبة/ فيفي الفقي: «أصبح الانترنت أمر ضروري وأساسي في جميع مناحي الحياة مع الأخذ في الاعتبار أن يتم تأهيل المتعاملين بالإنترنت تأهيلاً يتناسب والمسؤولية الملقاة على عاتقهم حتى لا تحدث مشكلات أثناء تأدية العمل بالتقنية الجديدة كما نشاهد في كثير من المصالح الحكومية. إن بناء الانسان أهم وأبقى من البنيان، ومن ثم لابد من التركيز على عمل دورات تدريبية للعاملين في هذا المجال حتى تسير الامور بنجاح وبلا معوقات».

وفي المقابل، ورغم الإقرار بأهمية الانترنت، لا يخفي بعض الزملاء والأصدقاء الأعزاء مخاوفهم وارتيابهم من شبكة المعلوماتية، وتحذيرهم بالتالي من بعض الأضرار والمخاطر المرتبطة بها. ففي تعليق منشور على صفحتي العامة على الفيس بوك، يقول الزميل العزيز الأستاذ الدكتور رجب محمود، وكيل كلية الحقوق جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا: «لا أزيد على ما ختمت به سيادتكم من أن الانترنت أصبح مفترضا ضروريا لكل مناحي الحياة سواء بالنسبة للدول أو للأفراد. ويمثل الانترنت محتوى أساسيا يستوعب أطر ممارسة الحقوق والحريات بالنسبة للأفراد وبالنسبة للدولة بالتنظيم، حيث تمنح الحقوق والحريات مكنات وتقيم حدودا. لكن تبقى مشكلة الانترنت الجوهرية متمثلة – من وجهة نظري – في سيطرة القوى الكبرى عليه وتوجيهه ضد الدول والمجتمعات بما يخدم أجنداتها: – فالحقوق والحريات أصبحت سلاحا لهدم الدول وتفكيكها من خلال المقارنات النظرية والجدلية بين مستويات الحريات في المجتمعات دون النظر إلى المعطيات الواقعية. – زرع بذور الشقاق في المجتمعات لأسباب مختلفة وتفتيت مؤسسات الدول. – التوجيه المسيطر من المؤسسات الراعية للمنصات. – الاستخدام غير المشروع في المكايدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية». ثم أردف الأستاذ الدكتور رجب محمود، قائلاً: «من المؤكد أن تطور استخدام الانترنت سيؤول مع الزمن إلى سيطرة مجموعات عالمية بعينها على مواطني كل العالم بحيث لا تبقى للحكومات المحلية أي سلطة عليهم. واعتقد أن هذا الموضوع يستحق بحثاً معمقاً من الحكومات، استعدادا لمواجهة سلاح التدمير المستقبلي وهو الانترنت…، وإلا سيكون الناس بمثابة سلاح تدمير مستقبلي لأوطانهم».

ومن جانبها، وفي تعليق على صفحتي العامة على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، تقول الأستاذة الفاضلة/ سعيدة العلمي، الكاتبة والباحثة والمدونة المغربية، والخبيرة والأخصائية التقنية في المجال الطبي والغذائي والبيئي المتعاونة مع منظمة الصحة العالمية: «صحيح أن خدمة الأنترنت حق مشروع لكل إنسان، خاصة أننا نعيش في عصر التقنية ورقمنة الخدمات، بالإضافة إلى الفوائد الجمة والقيّمة التي تقدمها هذه النوعية من الاتصالات، ناهيك عن حجم التسهيلات والسلاسة في التعاملات، ولكن لا ننسى أنها سيف ذو حدين ونفتح هنا قوس لنتكلم عن الجانب السلبي والجزء الضار لهذه الآلية وأثرها الواضح على السلوكيات والعلاقات والهويات والشرخ العضيم الذي أحدثته على مستوى الإيديولوجيات وبناء الإنسان الذي يعتبر بيت القصيد وحجر الزاوية……».

وفي الإطار ذاته، يقول الصديق العزيز المهندس الفاضل/ محمد عبد اللطيف عبادي: «الحقيقة أن النت أصبح ضرورة من ضرورات الحياة، بل ضرورة قصوى لا غنى لأحد عنه، وإلا تخلف عن ركب الحياة والتي غدت بخطوات سريعة الى الأمام. والحقيقة الأخرى أن شبكة المعلومات قد أمدتنا في شتى أنواع العلوم المختلفة بمعلومات هائلة كانت في عهد قريب صعب الوصول اليها بل من دروب المستحيل تجميع كل هذا في وقت قياسي. وكما ذكرتم أن الإنترنت أصبح متاحاً للجميع سواء أفراداً أو مؤسسات، وأيضاً ضعف أو انعدام سيطرة الأسرة على الاستخدام الأمثل للنت، وبالتالي عدم سيطرة الدولة تنظيميا عليه. ومن وجهة نظري، فإن هذه الصناعة كغيرها من الصناعات كالسينما وصناعة المخدرات وحرب الاشاعات ناهيك عن صناعة الجنس كلها صناعات… تهدف في المقام الأول للسيطرة والتحكم في البشرية… والخوف كل الخوف أن تتحكم مجموعة من الدول بعينها في هذه الصناعة كما تتحكم في أشياء كثيرة. والسؤال الذي يطرح نفسه الأن هل أعدت الدولة (مصر) أمرها لتحكم قبضتها على هذه الصناعة والتحكم في المدخلات الهادفة التي تحمى الأمن القومي المصري؟ نأمل ذلك».

والواقع أن المشكلة الأساسية في شبكة الانترنت أن السيطرة عليها تقع خارج حدودنا، وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية، وتتحكم فيها الشركات العملاقة في عالم التكنولوجيا مثل جوجل ومايكروسوفت وفيس بوك. ومن هنا، تبدو أهمية الدعوة التي أطلقتها بعض الدول لضرورة تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن سيطرتها على شبكة الانترنت، وأن تخضع هذه الشبكة لسيطرة جماعية دولية. لقد بدأ الإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية كشبكة مغلقة خاصة بوزارة الدفاع (البنتاجون). ورغم أن هذه الشبكة غدت اليوم مفتوحة، ويشارك فيها مئات الملايين عبر العالم، إلا أن الأميركيين هم من وضعوا بروتوكولات التعامل ونظم التواصل وسيطروا عليها منذ البداية. وتقع في ولاية كاليفورنيا الأمريكية هيئة التحكم ببروتوكولات الإنترنت (ICANN)، وهي هيئة خاصة بتنظيم وتوزيع وإدارة عناوين «الآي بي» وأسماء المجالات والمواقع العليا في جميع أنحاء العالم. كما تملك الهيئة القدرة على إدارة موارد الشبكة وتوزيعها على البلدان والمناطق الجغرافية، حيث يرمز لمصر بـرمز مكون من أول حرفين من اسمها، وهو (eg)، وكولومبيا ويرمز لها بحرفي (co)، وتركيا التي يرمز لها بالحرفين الأولين أيضاً من اسمها، وهما (tu). أما اليابان، فيرمز لها بالحرف الأول والأوسط من اسمها، وهما (jp). وذات الأمر بالنسبة لجمهورية الصين، ويرمز لها بحرفي (cn). ومثّل احتكار الولايات المتحدة الأمريكية للتحكم في شبكة الانترنت نقطة خلاف مستمر بينها وبين وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، التي تطالبها دائما بإنشاء هيئة عالمية لهذا الغرض لا تخضع لدولة واحدة، وذلك بدلاً من هيئة (ICANN)، والتي تقع في ولاية كاليفورنيا. وتتحكم الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً في شبكة الإنترنت بفضل ريادة شركاتها في هذا المجال، حيث تتحكم شركة جوجل على سبيل المثال بمعظم عمليات البحث، وتقوم شركة مايكروسوفت بتشغيل معظم الحواسب الآلية عبر العالم، ويعتبر موقع يوتيوب بمثابة الأرشيف أو التاريخ المصور للبشرية، ويملك موقعا «فيسبوك» و«تويتر» معلومات شخصية لا تحلم بها أجهزة المخابرات العالمية. وتقدم معظم هذه الشركات خدمات البريد الالكتروني أو التخزين السحابي، الأمر الذي يعني أنه حتى المراسلات الفردية والمعلومات الشخصية لشعوب العالم قاطبه يتم تخزينها بطريقة تلقائية على الأرض الأمريكية. وإزاء هذا الوضع الاحتكاري، ورغبة في التخلص من بعض آثار الهيمنة الأمريكية على الانترنت، عمدت بعض الدول إلى حظر محرك البحث جوجل في أراضيها، وإنشاء محرك بحث وطني خاص بها. فعلى سبيل المثال، قامت جمهورية الصين الشعبية بإنشاء محرك بحث وطني، يطلق عليه اسم (Baidu). ولحقت روسيا بركب الدول التي تملك محرك بحث وطني خاص بها، ويطلق عليه اسم (Yandex)، وهو محرك بحث مملوك لإحدى الشركات الروسية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنتقل ملكيته لشركة أو مستثمر أجنبي، حيث يمكن للحكومة الروسية عزل مجلس الإدارة وإبطال قراراته في حالة بيع الشركة للأجانب أو في حالة تعرض المصلحة العامة للخطر. والسؤال الذي يثور هو: هل يمكن أن نرى يوماً ما محرك بحث مصري أو عربي، على غرار محرك البحث الأمريكي الشهير (Google)، أو محرك البحث الصيني (Baidu) أو محرك البحث الروسي (Yandex). أعلم أن السواد الأعظم يراه أمراً صعب المنال. ولكن، أراه حلماً مشروعاً.. لو بطلنا نحلم نموت… والله من وراء القصد…

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق