مقالات رأي

دكتور أحمد عبد الظاهر أستاذ القانون الجنائي بجامعة القاهرة

الثورة الصناعية الخامسة.. اللمبي 8 جيجا

«اللمبى 8 جيجا» فيلم كوميدي مصري، من انتاج عام 2010م، بطولة محمد سعد ومي عز الدين، وتأليف نادر صلاح الدين، ومن إخراج أشرف فايق. وتدور أحداث هذا الفيلم حول «اللمبي» (محمد سعد)، والذي يمتهن كتابة العرائض والشكاوى أمام المحكمة، ويعيش حياة متواضعة مع زوجته «نوجه» (مي عز الدين) التي تحاول زيادة دخل أسرتها بإعطاء دروس خصوصية إلى بعض أطفال المنطقة التي يعيشون فيها. وبشكل دراماتيكي وغير مألوف، تنقلب حياة هذه الأسرة البسيطة المكونة من الزوج والزوجة رأساً على عقب، عندما يلتقي «اللمبي» ذو الذكاء المحدود وإمكاناته العقلية البسيطة بالدكتور «أحمد الشواف»، طبيب المخ والأعصاب، الذي يقوم بتوقيع الكشف الطبي على اللمبي بعد وقوع حادث له، ترتب عليه حدوث اضطراب في إشارات المخ، فقام الدكتور «الشواف» بوضع شريحة في كتف اللمبي لضبط إشارات المخ، حيث تتصل هذه الشريحة بالعقل عن طريق عصب الكتف، وبحيث تقوم بتنظيم التفكير وضبط كهربة المخ. وبعد إجراء هذه العملية بعدة أيام، وفي لقاء بين «اللمبي» والدكتور «الشواف»، أخبره الدكتور بأن من الممكن تحميل آلة حاسبة أو أي برنامج آخر على هذه الشريحة، بما يمكن اللمبي من إجراء العمليات الحسابية الدقيقة والمعقدة أو أي عملية عقلية ذهنية أخرى. وبناء على موافقة اللمبي، يقوم الدكتور «الشواف» بتحميل ملفات السجل المدني المصري كلها على هذه الشريحة، وتنزيل برنامج ويندوز وبعض القوانين التي تساعده في عمله. وبتركيب الشريحة في رأسه، تحول «اللمبي» إلى إنسان خارق، يستطيع بمجرد أن تخبره باسمك أن يستدعي كل المعلومات المتاحة عنك. وهكذا، يجد «اللمبي» نفسه فجأة وقد أصبح إنسانا جديداً لا تلائمه مهنته البسيطة، فيقوم بتزوير شهادة من كلية الحقوق ليتحول إلى محام. وبذلك، تتغير ملامح حياته بالكامل، فالرجل البسيط الذي كان محل سخرية وتندر الجميع يصبح شخصاً ذي حيثية في المجتمع. وبعد أن أصبح محامياً شهيراً، يلتقي «اللمبي» مع أحد رموز الفساد الذي يطلب منه إخراج ابنه من تهمة تلاحقه مقابل مبلغ مالي ضخم يصل إلى عشرة ملايين جنيه. وبالفعل، ينجح اللمبي في هذه المهمة الصعبة، وذلك بفضل قدراته الخارقة، حيث يتمكن من تبرئة المتهم، ليستحق بالتالي الملايين العشرة وينتقل مع زوجته إلى طبقة الأثرياء حيث الرفاهية المطلقة. إلا أن لكل شيء ثمن، حيث فوجئ «اللمبي»، وهو في ذروة استمتاعه بحياة الرفاهية، بصديقه القديم الدكتور «الشواف» الذي ركب له الشريحة يطالبه بإعلان اكتشافه العلمي للدنيا ليصبح أهم عالم في العالم. إلا أن هذا كان يعني نهاية الحياة الجديدة للمبي وافتضاح أمره، ولذلك رفض بشدة هذا الإعلان. وإزاء ذلك، يقرر الدكتور «الشواف» أن يفسد حياة «اللمبي»، من خلال العبث بالشريحة عن بعد ومن خلال جهاز الكومبيوتر الذي يتحكم فيها، ليجد «اللمبي» نفسه فجأة «مهنج» أي يشبه الكومبيوتر المعطل، الأمر الذي قاده إلى الوقوع في مشاكل عدة، ويفشل في الحفاظ على موقعه كمحام ناجح ورجل أعمال. ورداً على هذا المأزق، يرى «اللمبي» أن بإمكانه النجاح بدون الشريحة، ولذلك يقرر الاعتماد على نفسه والاجتهاد في دراسة القانون، ليعود مرة أخرى محامياً ناجحاً ولكن بقدراته العقلية بعيدا عن الشريحة الإلكترونية التي كادت أن تودي بحياته.
وكما هو واضح، فإن فيلم «اللمبي 8 جيجا» يلقي الضوء على ما أطلق عليه «الإنسالة»، أي التقاء العقل البشري بالعقل الاصطناعي أو التقاء العقل بالآلة. وحتى سنوات قليلة مضت، كانت الآلات موصولة بالدماغ والجهاز العصبي بشكل أساسي للأغراض الطبية فقط، كما هو الشأن في علاج مرض باركنسون أو لعلاج إصابات الحبل الشوكي. ولكن، وفي الآونة الأخيرة، ركزت الأبحاث على الاستخدامات الأخرى غير العلاجية، ويأتي الاستثمار البارز في هذا المجال من قبل الشركات الكبرى في عالم التكنولوجيا، وتحديداً فيسبوك، وجوجل، وأمازون، ونيورالينك لصاحبة إيلون ماسك. ففي العام 2016م، أسس السيد ماسك شركة نيورالينك، ومنذ ذلك الحين أسس تقنيات يمكنها تسجيل وتحفيز الإشارات من آلاف المواقع في الدماغ. ويعد الذكاء الاصطناعي مكوناً مهماً لهذه الإنجازات، ومن المتوقع صدور إعلانات جديدة من نيورالينك في وقت لاحق من هذا الشهر، أي شهر أغسطس 2020م. وينظر إلى المهندس ورجل الأعمال إيلون ماسك كواحد من القوى الدافعة وراء الثورة الصناعية الخامسة القادمة. ومن جانبها، استحوذت شركة Facebook مؤخراً على شركة (Ctrl-Labs)، وهي شركة ناشئة مقرها نيويورك طورت سواراً يكتشف نية الحركة ويسمح للمستخدمين بالتلاعب بالأشياء على الشاشة عن طريق التفكير فقط. وبدوره، أسس رائد تقني آخر، وهو برايان جونسون، شركة أطلق عليها اسم (Kernel)، حيث أعلن مؤخراً عن القدرة على فك شفرة نشاط دماغ الشخص وتحديد الكلام أو الأغنية التي يسمعونها. ويهدف جونسون إلى الدخول في «عصر الكم العصبي»، لوصف الأفكار والعواطف، سواء كانت واعية أو لاشعورية. ويبدو أن المستثمرين متحمسون للاستثمار في هذا المجال، حيث قاموا بتمويل شركة (Kernel) بأكثر من 50 مليون دولار في أوائل يوليو 2020م.
وعلى هذا النحو، يبدو جلياً اتجاه حركة العلم والتكنولوجيا، حيث يتقدم العلم بسرعة نحو الالتقاء والمزج بشكل كامل بين الإنسان والآلة، بحيث ظهر إلى النور مصطلح جديد للدلالة على الكائنات البشرية في المستقبل، وهو مصطلح «الإنسالة»، أي الإنسان الآلة، أو نصف الإنسان نصف الآلة، أو التقاء العقل البشري مع العقل الاصطناعي. ولم يعد هذا الأمر قاصراً فحسب على التطبيقات العلاجية، كما كان الحال في السابق، وإنما امتد إلى أسلوب الحياة والتطبيقات التجارية. ويتزايد التطور في هذا الاتجاه كل يوم، وبحيث يمكن الزعم بأن تقنيات الثورة الصناعية الرابعة ستجعل هذا الأمر حقيقة واقعة في المستقبل القريب.
وقد أطلق بعض الكتاب على هذا التطور تعبير «الثورة الصناعية الخامسة»، مؤكدين أننا نقترب بسرعة من نقطة تتداخل فيها التكنولوجيا مع العقل البشري، وبحيث تتلاشى الحدود بين أدمغتنا وبين الآلات التي صنعتها، ومن ثم يتساءل هؤلاء عما إذا كنا مستعدين للتعامل مع هذه الحالة. وفي رأي هؤلاء، تبدو الثورة التي نعيشها الآن هادئة، على الرغم من أن آثارها عميقة وتمس الجميع. وفي هذه الأيام التي نشهد فيها جائحة (Covid-19)، فإن الثورة الصناعية الرابعة يتم تمكينها من خلال التقنيات التي تعتمد على الحوسبة والإنترنت، والتي تقوم بعملها إلى حد كبير في خلفية حياتنا. وتشمل التطبيقات الرئيسية إنترنت الأشياء (المحامص والثلاجات الذكية)، والذكاء الاصطناعي، والمركبات ذاتية القيادة، والأدوية المصممة لتناسب الحمض النووي للفرد. وعلى حد قول بعض الكتاب، هناك شيئان مؤكدان: سرعة هذه الثورة غير مسبوقة، وأثرها وثيق الصلة بعدد متزايد من الناس، بطرق متنوعة وبشكل متزايد.
ودون حاجة للخوض في غمار المستقبل، وبالتأمل في عالم اليوم، سنجد من الصعب تخيل حياتنا بدون تقنيات الثورة الصناعية الرابعة. وكما تلت الثورة الثالثة الثورة الثانية في الماضي ولحقت الثورة الرابعة بالثورة الثالثة في عالم اليوم، سيكون هناك بلا شك المزيد من الثورات الصناعية في المستقبل. إن علامات الثورة التالية قد بدأت تتجلى بالفعل، ومن المقرر أن تغير الحياة تماماً مثل سابقاتها. ولكن لفهم ما تخبئه لنا الثورة الصناعية الخامسة، يجب علينا أولاً أن ننظر إلى ما كنا عليه؛ لقد بدأت الثورة الصناعية الأولى في أواخر القرن الثامن عشر، في الصناعات الآلية ذات المحركات البخارية، وترتب عليها حلول المجتمعات الصناعية محل المجتمعات الزراعية. وقد مهدت تقنيات هذه الفترة الطريق نحو استخدام النفط والغاز في أواخر القرن التاسع عشر، عندما ظهر محرك الاحتراق، دافعة بالتالي الصناعات إلى مرحلة جديدة، بحيث أطلق عليها «الثورة الصناعية الثانية». وقد كانت الطائرات والسيارات مركزية وأساسية في هذه الثورة، بحيث شكلت محورها ونقطة الارتكاز فيها. وتميزت الثورة الصناعية الثالثة، التي بدأت في الستينيات من القرن الماضي، بأجهزة الكمبيوتر والإلكترونيات. وقد مكن هذا الاختراع من إطلاق بعض الرحلات المبكرة إلى الفضاء بقوة حوسبة أقل مما نملكه بين أيدينا اليوم. وها نحن الآن في خضم الثورة الرابعة. وتجدر الإشارة إلى أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى كان يستغرق في السابق مدة زمنية أطول، ولكن تقلصت هذه المدة تدريجياً، بحيث صار ممكناً الانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل التطور في مدة زمنية أقصر. إذ أن أولى الثورات استمرت نحو 200 عام. واستمرت الثانية حوالي 100، بينما استمرت الثالثة حوالي 50 عاماً.
من ناحية أخرى، هناك اتجاه مهم بشكل خاص في فهم ما سيأتي بعد ذلك، ونعني بذلك العلاقة الوثيقة بين تطور التكنولوجيا وبين شكل الحياة في المجتمعات البشرية. بيان ذلك أن المحركات البخارية كانت في الماضي أدوات صناعية مهمة وكبيرة بشكل مثير للإعجاب في بداية القرن الثامن عشر، حيث تم استيعابها في مصانع ضخمة تم تشييدها آنذاك، وعمل فيها وحولها مئات الآلاف من الأشخاص. بعد ذلك، ومع ظهور محرك الاحتراق وهاتف الثورة الثانية، أصبحنا على اتصال وثيق بهذه التقنيات وعلى تواصل مستمر مع بعضنا البعض. وكانت الثورة الثالثة تدور حول تصغير التكنولوجيا والحوسبة الشخصية، وبحيث غدا التواصل أكثر سهولة من ذي قبل. وخلال الثورة الرابعة، أصبحنا متصلين بشكل كبير من خلال أجهزتنا الذكية بمعظم الكوكب. وستجعل الثورة الصناعية الخامسة هذا الاتصال أوثق وأكثر سلاسةً، ولن نستشعر في المستقبل دور الوساطة الذي نشعر به في عالم اليوم؛ فالجهاز الذكي الذي نضغط عليه والذي نتحدث فيه سيختفي، وستحل واجهات الدماغ الحاسوبية محلها. وسوف تقف الثورة الخامسة على أكتاف الرابعة، حيث ستكون التكنولوجيا ذات الحجم المتناقص أساسية، وستكون الشبكات الرقمية ضرورية، وسرعان ما نكتشف أن المعدل الذي نكتب به على أجهزتنا الذكية اليوم هو عدد قليل بشكل محبط من البايتات على الأغلب، في حين أن خيالنا أكبر بكثير. قد نتواصل مع الآخرين عن طريق التفكير بمفردنا، أو تسجيل الوصول في المطار باستخدام سوار قراءة الأفكار، أو القيام بالتسوق المدعوم بالعقل. وربما يحدث ذلك، على سبيل المثال، لضمان سلامتنا من الفيروسات المعدية، حيث يكفل هذا التطور تفادي وتجنب الاتصال المادي الجسدي، ويحقق بالتالي ما يطلق عليه التباعد الاجتماعي أو التباعد الجسدي كمبدأ أساسي في التعامل مع الجائحات، ومنها الجائحة التي نعرفها في الوقت الحالي مع تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19). وفي النهاية، سيساعد التنظيم على جعل مثل هذه الأجهزة سهلة الوصول وآمنة وعامّة. واستخدامنا لهذه التقنيات سيضع الأسس لثورة جديدة.  والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن على أهبة الاستعداد للتعامل مع عالم المستقبل؟ هل تم إعداد العدة لربط أدمغتنا وعقولنا بالآلات؟ وما الذي يمكن أن تحمله الثورة الصناعية السادسة؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق