سياسة

القصة الكاملة.. ما أسباب الخلاف بين مصر وإثيوبيا والسودان حول سد النهضة؟

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)– مع مرور 9 سنوات من المفاوضات والمحادثات ومحاولات الوساطة، ما زالت الخلافات قائمة بين مصر وإثيوبيا والسودان حول سد النهضة والجدول الزمني لملء السد، مع اتهامات متبادلة بالتعدي على السيادة وتهديد حياة الملايين.


وتوقفت المحادثات مجددا الأسبوع الماضي وسط خلافات الدول الثلاث حول ملء السد. وكانت أحدث المحطات الخلافية البارزة في يوليو/ تموز الماضي، عندما أظهرت صور الأقمار الصناعية من شركة “ماكسار تكنولوجي”، ومقرها الولايات المتحدة، المياه تتجمع في خزان سد النهضة، ما دفع المسؤولين المصريين لطلب توضيح عاجل، كما أعلن السودان المجاور انخفاض منسوب المياه على طول النهر.


ويبدو الآن أن الأمطار الغزيرة هي التي ملأت الخزان، لكن تصريحات إثيوبيا المتكررة حول نيتها ملء السد سواء كان هناك اتفاق أم لا أثارت قلق مصر والسودان، إذ يخشى البلدان أن يؤثر ملء السد بوتيرة سريعة تأثيراً عميقاً على إمدادات المياه لديهما. في اليوم ذاته، فشلت الدول الثلاث في التوصل لاتفاق حول كيفية المضي قدما في المشروع، مع انهيار دورة أخرى من المحادثات بينهم.


يعتبر سد النهضة، وهو مشروع طموح للطاقة الكهرومائية بتكلفة 4.5 مليار دولار، رمزا لهدف إثيوبيا في أن تصبح لاعبا إقليميا رئيسيا. ويهدف مشروع السد لتغطية احتياجات 60% من المنازل الإثيوبية من الكهرباء والذين ما زالوا خارج نطاق شبكة الكهرباء، وذلك في إطار خطة رئيس الوزراء أبي أحمد علي لتحويل الدولة إلى مُصدّر طاقة رئيسي في المنطقة.


وقال بيرهانو لينجيسو، الشريك المؤسس لمعهد أبحاث سياسات شرق أفريقيا، في تصريحات لـCNN، إن العديد من الإثيوبيين، بدون الكهرباء، يعتمدون على الغابات المتقلصة من أجل الحطب، بينما يعاني الـ40% الآخرون من السكان من انقطاعات مستمرة للكهرباء.


وأضاف: “إنه وضع محزن وصعب للغاية، لطالما عشنا فيه لقرون. نحن نساهم بـ85% من مياه النيل ولا نستخدم أياً من هذه المياه”.


ولكن بالنسبة لمصر، يهدد السد واحدا من أغلى مواردها، حيث يعيش معظم المصريين، الذين يتجاوز عددهم 100 مليون نسمة، حول وادي النيل الضيق على طول النهر، ويعتمدون عليه في كل شيء من مياه الشرب إلى الصناعة والري.


وقال أحمد عبدالوهاب، أحد المزارعين في جنوب مصر، لـCNN: “عاش والدي وجدي بجانب النيل وسيعيش أولادي وأحفادي بجانبه أيضا”. وتوقع أن سد النهضة قد يخفض 60% من محصوله الزراعي السنوي كما سيزيد تكلفة المياه، مضيفا:ً “نحن قلقون للغاية.. جميع المزارعين قلقون”.


أما السودان فإنه قد يستفيد على الأرجح من سعر كهرباء السد المخفض وتدفق المياه المستقر الذي سيقلل من الفيضانات ويزيد من الري، وفقاً لمجموعة الأزمات الدولية. ولكن قرب سد النهضة من السودان، حيث يقع على مسافة 12.5 ميل من حدوده، قد يعرّض سد الروصيرص السوداني لخطر الفيضان، في حال غياب التنسيق بين الدولتين.


وكان وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيليشي بيكيلي قد نفى، في تصريحات لـCNN، تقارير سابقة تفيد بأن بلاده بدأت ملء الخزان، مضيفا أن الأمطار هي التي تسببت في تراكم المياه هناك.


وقال بيكيلي إن الملء النشط للخزان سيبدأ في غضون عامين عندما تكتمل أعمال البناء، مشيرا إلى أنه ما زال هناك المزيد من الوقت للمحادثات.


واتفق المحللون أن المياه الظاهرة في صور القمر الصناعي هي على الأرجح من مياه أمطار. وقال وليام ديفيدسون، محلل أول في مجموعة الأزمات الدولية، لـCNN، من أديس أبابا، إن “بلوغ السد مرحلة متقدمة من التشييد خلق مصدر دعم طبيعيا في النهر خلفه بسبب موسم الأمطار”.


إدارة أطول نهر في العالم


ليست مفاجئة أن تكون إدارة مياه النيل أمراً معقداً، حيث يمتد النهر لأكثر من 4 آلاف ميل ويمر بـ11 دولة. يبدأ النيل الأزرق، وهو الشريان الذي يزود النهر بـ80% من مياهه، عند بحيرة تانا في إثيوبيا، ويلتقي النيل الأبيض في الخرطوم، ويتدفق بعد ذلك لمصر.


تدور معظم المحادثات حاليا حول الجدول الزمني وسرعة ملء السد، وكيفية تخفيف أثر الجفاف. واقترحت إثيوبيا في البداية ملء السد خلال 3 أعوام بينما تريد مصر فترة من 10 إلى 15 عاما.


وقالت حفصة حلاوة، الباحثة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، لـCNN، إنه كان هناك اتفاق شفهي بملء السد خلال 8 أعوام.


وتخشى مصر من تأثير ملء السد بوتيرة سريعة على نقص حصتها من مياه النيل.


وقال وزير الري المصري السابق محمد عبدالعاطي، في تصريحات لـBBC عام 2018، إن انخفاض 2% من مياه النيل سيؤدي إلى خسارة 200 ألف فدان زراعي وحوالي مليون وظيفة. ولكن يبقى التأثير المحدد للسد على تدفقات المياه غير معروف.


وفشلت الدول الثلاث في الاتفاق على الجهة التي ستجري الدراسات البيئية، والصلاحيات التي ستُمنح للباحثين، وإلى أي مدى ستكون النتائج ملزمة. وتأتي بعد ذلك مسألة ما قد يحدث حال ضرب الجفاف المنطقة لفترات طويلة.


مع موسم الأمطار الغزيرة واتفاق من حيث المبدأ على جدول زمني لملء السد خلال 8 سنوات، لا توجد مشكلات آنية، لكن القاهرة قلقة بشأن أي جفاف مستقبلي أو أي مشروعات أخرى قد تعرقل تدفق مياه النيل.


وقال وليام ديفيدسون إن إثيوبيا تريد أن يتحمل كل طرف مسؤولية تخفيف آثار الجفاف لديه، مثل أن تستخدم مصر احتياطاتها من المياه في السد العالي. وأضاف أن “إثيوبيا تريد أيضا معالجة المشكلات عندما تطرأ، دون الالتزام باتفاقيات مسبقة مثل الإفراج عن كميات محددة من المياه باتجاه المصب من الخزان خلال فترات الجفاف”.


ورأت حلاوة إن “نقطة الخلاف تكمن فيما سيحدث في المستقبل”، وقالت إن “إثيوبيا تنظر للمفاوضات على أنها مسار للاتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة بدلا من كونها قضية أمن مائي واتفاق حول حصص المياه كما تنظر إليها مصر. وهذا هو الخلاف الأساسي من الناحية القانونية والتقنية”.


اتفاقيات من “الحقبة الاستعمارية”


أعطت الاتفاقيات الموقعة في عامي 1929 و1959 كلا من مصر والسودان حصة الأسد في مياه النيل. بينما ترفض إثيوبيا تلك الاتفاقيات باعتبارها “اتفاقيات من الحقبة الاستعمارية”، ووقعت اتفاقاً عام 2010 مع 6 دول في حوض النيل لسحب حق الفيتو من مصر والسودان ضد قيام مشروعات على النيل.


وقال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في الأمم المتحدة العام الماضي: “نعترف بحق إثيوبيا في التنمية ولكن مياه النيل مسألة حياة وبقاء بالنسبة لمصر”.


وفي أوائل العام الجاري، اعتمد السيسي على الوساطة الأمريكية أملا في الوصول لاتفاق، لكن إثيوبيا انسحبت من المحادثات زعماً بأن الاتفاق الذي طرحته واشنطن تضمن مقترحات لصالح القاهرة بشأن تخفيف الجفاف.


وذكرت دراسة لمجموعة الأزمات الدولية أن “أديس أبابا اعترضت على أن الاتفاق سيلزمها بتصريف مياه الخزان لمستوى غير مقبول في حال حدوث جفاف ممتد، ويلزمها قانونياً بعدم ملء السد دون الوصول لاتفاق”.


وقال السفير الإثيوبي لدى الولايات المتحدة فيتسوم أريغا إن بلاده “لن تمضي على أي اتفاق يجعلها تتخلى عن حقها في استخدام مياه النيل”.


وقاد الاتحاد الأفريقي، بمتابعة من مجلس الأمن، في يونيو/ حزيران، محاولة أخرى لجمع الدول الثلاث على طاولة المفاوضات، لكن دون اتفاق بعد.


مشروع وحدة وطنية


في إثيوبيا، يعتبر نجاح مشروع سد النهضة ضروريا ليس من أجل تعزيز دور أديس أبابا في المنطقة فحسب بل لتوحيد الوطن الممزق بسبب العنف العرقي.


في مطلع شهر يوليو/ تموز الماضي، قُتل العشرات من الإثيوبيين خلال احتجاجات ضخمة أثارها موت المغني والناشط هاشالو هونديسا، أحد رموز مجموعة الأورومو التي تقول إنها مهمشة سياسياً.


اتهم النقاد رئيس الوزراء أبي أحمد لإخفاقه في احتواء العنف العرقي في البلاد، رغم حصوله على جائزة نوبل للسلام عام 2019، لدوره في إنهاء حرب أهلية بين إثيوبيا وإريتريا استمرت 20 عاما.


أصبح مشروع السد مصدراً للفخر الوطني، فهو ممول ذاتياً عن طريق سندات بنسبة 20%، و80% من أموال دافعي الضرائب في إثيوبيا. وأظهر السد نجاحاً في توحيد الوطن، وتصدر وسم “#إنه_سدي” موقع تويتر في إثيوبيا الشهر الماضي.


وقال أديسو لاشيتو، زميل برنامج الاقتصاد الدولي والتنمية في معهد “بروكينغز”، لـCNN، إن “سد النهضة مشروع وطني كسب تأييد الحكومة والمعارضة والشعب، فهو يعتبر بمثابة قوة موحِدة لإثيوبيا لأنه بني بأموال الإثيوبيين”.




Source

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق