سياسة

رأي.. بشار جرار عن كارثة لبنان: عندما تبكي فيروز “بيروتشيما”

هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأميركية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.


أبكتني – كما المشاهد الأولى لانفجار لبنان – رسمة تعبيرية تظهر فيها أيقونة الغناء الملائكي في مشرقنا المكلوم، فيروز وقد بكت بدلا من الدمعة أرزة تعبيرا عما أسموه نكبة لبنان أو بيروت المنكوبة. 


قبل أن يهدأ غبار الانفجار ويتلاشى دخانه وأبخرته، تفتقت أذهان المتناحرين في لبنان وعليه في التفسير والتنظير، بلغ الأمر حد استخدام لغة غير مسبوقة في الإعلام اللبناني المحلي المنتشر عربيا تتناسب وحجم الأسى والغضب، ليس “خريف الغضب”، فما زلنا في آب “اللهّاب”، والمنطقة كلها ومنذ سنين خلت على صفيح ساخن بانتظار شرارة. 


لا أظنها زلة لسان، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف الثلاثاء ما جرى بالهجوم. وردا على أسئلة الصحفيين نسب ما قاله إلى الانطباع الأولي لجنرالات قالوا إن “الهجوم” بدا من شدته وكأنه تفجير “قنبلة” من نوع ما وليس عرضيا ناتجا عن انفجار مواد صناعية أو “مفرقعات”! ما هي إلا بضع ساعات، حتى جاء الرد على أسئلة تم توجيهها لوزارتي الخارجية والدفاع، الأمر الذي دفع البنتاغون إلى “التحفّظ” والقول بأنه “من المبكر القطع في سبب الانفجار”. 


ومع توالي الفيديوهات من زوايا عدة وبعضها كاشف وعالي الجودة، عادت نغمة “المؤامرة” لتزيد المشهد غموضا وتخبطا. فيديوهات وشهود عيان تحدثوا عن تحليق طائرات وتوجيه صاروخ في ظل تباين الروايات الحكومية إلى حد التضارب. 


وبصرف النظر عن كونه تفجيرا أو انفجارا فإن ثمة أمور غير قابلة للتصرف كونها حقائق مجردة. في مقدمة تلك الحقائق، أنه -وبصرف النظر عن الروايات التي تحاول تفسير ما جرى- فإن أول خيط لكشف الحقيقة هو عدم السماح لأي كان بالمس بمسرح الحادث أو الجريمة. وقياسا بتجارب أخرى مريرة لبنانيا وشرق أوسطيا، لا قيمة لجهات تحقيق ما لم تكن أممية بالكامل أو بالغالب المسيطر وإلا ضاعت الحقيقة وتم طمسها احترافيا أو ارتجاليا. الحقيقة الأخيرة وهي الأولوية الأولى، ألا وهي استقدام خبراء التلوث الناجم عن انفجار أسلحة دمار شامل، للكشف عن آثار ما وصف بثالث أقوى انفجار في التاريخ بعد قنبلتي هيروشيما وناجازاكي. 


 صدق ترامب بوصفه ما جرى بالهجوم “أتّاك” لكنه أشبه ما يكون بالنوبة القلبية “هارت أتّاك” التي ما زالت تزهق أرواح ملايين البشر لأسباب شتى جلها كما يرى خبراء الصحة ذاتية المنشأ وقابلة للوقاية والنجاة أيضا. هجوم لبنان أو نكبته لم تبدأ عصر الثلاثاء الرابع من آب، فبيروتشيما كما وصفوها قابعة في العنبر الثاني عشر لمرفأ بيروت منذ ست سنوات. و”أتّاك” لبنان بدأ منذ عقود بتشظي “لبنان الكبير” إلى مربعات وجزر أمنية لبنانية وغير لبنانية.. 


“ضيعانك” يا لبنان باللهجة اللبنانية هو أصدق وأدق وصف لما جرى وقبل صدور أي تقرير عن أي جهة تحقيق في حادث التفجير أو الانفجار. لبنان يا أحبة تم اختطافه وتفخيخه.. هذا هو “المشكل” الأصلي كما يقول أخوتنا اللبنانيون. خلاص لبنان بقيام دولة ترد للوطن اعتباره وللشعب كرامته. 


صحيح أن المساعدات بدأت تتولى من كل حدب وصوب على لبنان بمن فيهم إسرائيل التي عرضت عبر قنوات عدة المساعدة واستقبال الجرحى، لكن وبعيدا عن التسييس والدعائية، المسألة في المقام الأول جنائية، والمجني عليه معروف لدينا جميعا حتى وإن اختلفنا على هوية الجاني. فهل تكون زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس بداية تجسيد “زلة لسان” ترامب؟ 

Source

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق