أخبارمقالات رأي

ريم عثمان :أهمية توطين الصناعة المصريَّة .. ملف الرمال السوداء

بقلم د/ ريم عثمان. خبير اقتصادي واستشاري تطوير الأعمال. أستاذ الإدارة بالأكاديميَّة العربيَّة للعلوم والتكنولوجيا

 

تتوالى توجيهات سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتتجلَّى جهوده في العمل على توطين الصناعة المصريَّة بجميع مكوناتها، ورفع شعار “صنع في مصر” في كافة ميادين الصناعة، واستكشاف المزيد من المجالات لتوطين الصناعات بها، خاصةً تلك المتعلقة بمشروعات البنية التحتية، وقطاعات المشروعات التنموية الكبرى، بما في ذلك أجهزة الري الحديثة؛ وذلك عن طريق نقل التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الكوادر البشرية المصريَّة على أعمال التصنيع والصيانة، من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي من العديد من مدخلات الصناعة، وتوفير المزيد من فرص العمل للشباب، ودعم الاقتصاد المصريِّ من خلال استغلال الصناعات الوطنيَّة المغذية، فضلًا عن طرح منتجات الصناعة المحلية ذات الجودة العالية، وبأسعار أقل من نظيرتها المستوردة، وخصوصًا في ظلِّ الأزمة العالميَّة الراهنة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وتعمل الدولة جاهدة على تقليل معدل الاستيراد، وزيادة احتياطي النقد الأجنبيِّ عن طريق توطين الصناعات المصريَّة الغذائيَّة المرتبطة بمجال الزراعة، والتغلب على كافة المشكلات التي تواجه هذا القطاع، بالإضافة إلى الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعيَّة كالغاز والبترول ومشتقاته، وكذلك العمل على تحقيق “الإنتاجيَّة المحليَّة” وليس الاعتماد على تلبية “الاستهلاك المحليّ” وحده.

ولا شكَّ أنَّ هذا الأمر يتطلب تضافر الجهود من أجل مواكبة الصناعات الحديثة، والدخول في المنافسات العالميَّة لتصدير منتجاتنا، وقد بدأت الدولة أولى الخطوات بتدشين مدينة الدواء التي تستهدف الأدوية الأعلى تكلفة في استيرادها، كأدوية أمراض الأورام؛ بهدف تغطية احتياجات السوق المحلية، والحد من الاعتماد على الاستيراد، كما نجحت أيضًا في تحقيق أعلى معدلات تصدير الفاكهة والخضر المجففة وغيرها من المحاصيل؛ وذلك من خلال توطين صناعة مكونات أنظمة التحكم في المياه والزراعة الذكية، والتي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة لحساب كمية المياه التي تحتاجها المحاصيل، وجودة الظروف البيئية، وتوطين صناعة صوامع تخزين الغلال والحبوب، في إطار المشروع القومي للصوامع، وزيادة السعة التخزينيَّة، والمدة الزمنية للتخزين في مختلف المحافظات، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة الإنتاج وتحسين جودته، وترشيد استهلاك مياه الري؛ فالاستغلال الأمثل لموارد الدولة يدعم فتح مجالات جديدة لنا بالسوق المحلي والعالمي، كما تتوسَّع الدولة في توطين الإنتاج المحليِّ لصناعة أوتوبيسات النقل العام والمركبات التي تعمل بطاقة الكهرباء، وذلك بالتعاون بين وزارة الإنتاج الحربي والقطاع الخاص.

وتحرص أيضًا على توطين صناعات السيارات والأجهزة المنزلية باعتبارها أكثر المنتجات استهلاكا بشتي الأسواق العالمية، وكذلك التوسع في إنتاج الأدوية والمشروعات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات لتحقيق التنمية الشاملة في كافة القطاعات، وتسعى أيضًا نحو تعزيز علاقات التعاون مع مؤسسات المجتمع الدولي الخاصة بدعم قطاعات التنمية المستدامة والتمويل لأهمية توطين الصناعة في مصر، ودعم جميع المصدرين، وتيسير كافة الإجراءات المتعلقة بأعمالهم بما يشجعهم على تكثيف معدل أنشطتهم التجارية والصناعية؛ ممَّا يُسهم في خفض معدلات البطالة. كما تبذل الدولة مساعيها للعمل على توطين نقل التكنولوجيا المتطورة بأكبر نسبة ممكنة من المكونات المحلية إلى مصر بالتعاون مع الشركاء العالميين، الأمر الذي سيفتح مجالاتٍ عديدةً لتصدير منتجاتنا الوطنيَّة إلى دول المنطقة والدول الأخرى.

ولا بدَّ من التدريب والتأهيل الجيد للشباب على أعمال التصنيع والصيانة، والتركيز على تصنيع المواد الخام الأولية، لتحويل السوق المصري من مستهلك إلى منتج ومصدر في وقتٍ واحدٍ.

 

ويأتي مشروع الرمال السوداء الذي يُشكل مصدرًا مهمًّا واستراتيجيًّا لمستقبل الثروة المعدنيَّة في مصر على رأس أولوياتنا؛ وهي عبارة عن رواسب شاطئيَّة سوداء ثقيلة يغلب عليها اللون الداكن مثل الطمي، تأتي من منابع النيل، وتتراكم على بعض الشواطئ بالقرب من مصبات الأنهار الكبيرة، وتتكون من المعادن الثقيلة، وخاصةً معدني الماجنتيت والألمنيت – يستخدمان في صناعة الحديد والصلب، كما تحتوي عادةً نسبة صغيرة من المعادن المشعة كالمونازيت وغيره، وكلها معادن يغلب عليها اللون الداكن، وتحرص الدولة كلَّ الحرص على استغلال تلك الرمال السوداء في استخراج معادن الحديد والمونازيت، حيث تنتشر تلك الرمال السوداء وبتركيزاتٍ مرتفعةٍ على جميع سواحلنا الشماليَّة من أبي قير بالإسكندرية وحتى رفح بالعريش، وبطول حوالي 400 كم، كما تتواجد في مناطق أخرى في جنوب منطقة برنيس وبحيرة ناصر؛ لذا تمَّ إنشاء الشركة المصرية للرمال السوداء؛ من أجل الاستغلال الأمثل وتحقيق الاستفادة الاقتصاديَّة من المعادن المستخرجة من تلك الرمال؛ فقامت مصر بشراء الكراكة الهولنديَّة تحيا مصر وهي أول كراكة تعمل بالطاقة الكهربائية وصديقة للبيئة، حيث تقوم بدفع المياه في اتجاه الكثبان الرملية فتنساب إلى قاع البحيرة الصناعية، كما قامت بإنشاء موقعين للرمال السوداء بمحافظة كفر الشيخ، الأول شرق البرلس، والثاني شمال الطريق الدولي غرب محطة توليد الكهرباء العملاقة بالبرلس.

كما تؤكد الدراسات التي أجريت على الرمال بمحافظة كفر الشيخ أنها تحتوي على ما يقرب من 250 مليون طن من الرمال السوداء، ووجود احتياطي آخر يعادل 200 مليار متر مكعب، مما يجعل مصر بها أكبر احتياطي من الرمال السوداء بالعالم.

وبحسب تقديرات هيئة المواد النوويَّة فإنَّ مصر تضمُّ 11 موقعًا تنتشر بها الرمال السوداء، والتي تعد ثروة ضخمة لمصر حيث إنَّها تستخدم في 41 صناعة مختلفة، تستخلص منها عشرات المعادن باستخدام أجهزة خاصة. ومن أبرز المعادن الموجودة بها: الإلمينيت، والزركون، والماغنتيت، والروتيل، والجارنت.. هذا بالإضافة إلى المونازيت الذي يحتوي على مواد مشعة.

وتعمل الدولة على استخلاص تلك المعادن من الرمال السوداء؛ لاستغلالها اقتصاديًّا، وفي الوقت نفسه من أجل تطهير الشواطئ من المواد المشعة الضارة بالبيئة.

وتستخدم المعادن المستخلصة من الرمال السوداء في العديد من الصناعات، من بينها صناعة السيراميك، وكذلك صناعة الخزف والدهانات، وأيضًا إنتاج التيتانيوم الإسفنجي الذي يدخل في صناعة هياكل السيارات والطائرات والصواريخ والغواصات ومركبات الفضاء والأجهزة التعويضية، وكذلك الصناعات الإلكترونية والتكنولوجية المتنوعة. كما سينتج المشروع ثاني أكسيد التيتانيوم وهو معدن يستخدم في تصيين الدهانات والأصباغ والورق والجلود والمستحضرات الطبية.

وكذلك سينتج المشروع معدن الزركون الذي يدخل في صناعة السيراميك والأدوات الصحيَّة والزجاج والسبائك والمواتير وتركيبات الأسنان وتبطين الأفران، كما يدخل معدن الجارنيت في صناعة أحجار الخلج وأوراق الصنفرة، وأيضًا فلاتر المياه وقطع الرخام والجرانيت بضغط الهواء والمياه، كما يُعد معدن الزركون مصدرًا رئيسًا للعناصر الأرضية النادرة، والتي تستخدم في صناعة الرقائق الإلكترونية المستخدمة في الصناعات عالية التقنية، مثل الهواتف الذكية والسيارات التي تعمل بالكهرباء، ومصدرًا ثانويًّا للسيريوم واليورانيوم.

وقد افتتح سيادة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مجمع الرمال السوداء بمدينة البرلس التابعة لمحافظة كفر الشيخ – شمال العاصمة القاهرة، بهدف استخلاص المعادن الثقيلة من هذه الرمال، التي تستخدم في العديد من الصناعات الدقيقة، وهذا المصنع هو الأحدث من نوعه على مستوى العالم باستخدام تكنولوجيا التعدين المتطورة؛ بهدف تعظيم الاستفادة والاستغلال الأمثل لموارد مصر الطبيعية، وتحقيق القيمة المضافة للمعادن المستخلصة من الرمال السوداء، التي تستخدم في العديد من الصناعات الدقيقة مما يفتح الآفاق لاستثمارات جديدة تدعم الاقتصاد الوطني وعملية التنمية الشاملة والمستدامة.

 

Print Friendly, PDF & Email