أخباراقتصاد عربى

الاستثمار المسؤول حول العالم

رؤية للاستثمارات الحالية حول العالم وكيفية تبنيها ومطابقتها لمعايير حوكمة الشركات البيئية والاجتماعية

 بقلم: إدريس الرفيع - رئيس شركة "أبردين ستاندرد إنڤسمنت" ASI في الشرق الأوسط وأفريقيا

 يحظى كل من الاستثمار المسؤول ومعايير ESG لحوكمة الشركات (البيئية والاجتماعية والحوكمة) هذه الأيام باهتمام كبير من قبل العاملين في صناعة إدارة الأصول مع الظرف العالمي الراهن، وهو أمر طبيعي ومتوقع فإذا كان الحديث عن الاستثمار المسؤول في السابق يجذب الانتباه، فقد صار أكثر إلحاحا وأهمية بعد جائحة كوفيد-19.

وفي الشرق الأوسط؛ أكدت الدراسات التي قامت بها أبردين ستاندرد بأن الاهتمام يتزايد بتوافق بين المسائل البيئية والاجتماعية والحوكمة مع الرؤى الاقتصادية والإستراتيجية في العديد من دول مجلس التعاون الخليجي التي تتضمن خططها تركيزًا قويًا على الاستدامة والتنويع والممارسات الصديقة للبيئة، وهو ما يقود إلى تنسيق مستمر للجهود التنظيمية من أجل وضع معايير وأطر لضمان إعداد تقارير دقيقة وإلزامية للاستدامة.

والواقع أنه في جميع أنحاء العالم؛ تبنت مؤسسات مختلفة مبادئ ومعايير الحوكمة بطرق مختلفة، حيث يقدم كل سوق مساهمته الخاصة لهذه القضية الحيوية في إطار تخصصه، ولهذا السبب نرى أنه من الأهمية بمكان بالنسبة للمستثمرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التعرف -ولو بشكل عام- على كيف تطورت معايير ESG من منظور عالمي

أوروبا

تأتي أوروبا، وتحديداً الدول الاسكندنافية، في الطليعة، حيث كانت لها علاقة طويلة وعميقة مع معايير حوكمة الشركات ESG على مدى العقود الثلاثة الماضية.

ويعد بنك إدارة الاستثمارات النرويجي، صندوق الثروة السيادية النرويجي، أحد أكثر المؤثرين في هذه المسألة في أوروبا، بل يقال إنه الأكبر في العالم *، والذي يقوم باستثناء الشركات التي لا تستوفي الإرشادات التي وضعها صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي النرويجي، ويقدم المجلس الأخلاقي Council of Ethics [i]توصياته لسحب الاستثمارات من قبل وزارة المالية النرويجية، وكثيرا ما تتبع هذه القرارات صناديق التقاعد الاسكندنافية والأوروبية الأخرى.

وفي فرنسا؛ يتأثر الاستثمار المسؤول بالقضايا الاجتماعية، وهو ما يعكس اهتمامات الدولة الفرنسية بالعمل والبيئة، فعلى سبيل المثال، طبقا لقانون Duty of Vigilance 2017 يتعين على الشركات أن تشرف بشكل جيد على عملياتها وسلاسل التوريد الخاصة بها، ويجب على الشركات الامتثال لالتزامات الصحة والسلامة والبيئة وحقوق الإنسان.

وخلافا لذلك، لا يسير الأمر بنفس الوتيرة في بقية أجزاء أخرى من أوروبا مثل ألمانيا وإيطاليا وسويسرا فقد كانت أبطأ في تبني معايير ESG لحوكمة الشركات (البيئية والاجتماعية والحوكمة).

الأسواق الناشئة

خلال العشرين عاما الماضية؛ تأخرت الأسواق الناشئة عالميا في تبني معايير ESG. واختلفت وتعددت أسباب تباطؤ تطورات ESG من بلد لأخرى حسب ظروف ومعطيات كل بلد.

إلا أنه وبشكل عام، كانت أكبر عقبة أمام المستثمرين من المؤسسات الأجنبية هي اللغة، إذ لم تقم العديد من الشركات بترجمة المعلومات الخاصة بنشاطها ذي الصلة بمعايير ESG إلى اللغة الإنجليزية ليتعرف المستثمرون الأجانب عليها. وتمثل العائق الثاني في غياب الهيكل الإشرافي أو التنظيمي داخل هذه الأسواق، كما أن الافتقار إلى البنية التحتية المناسبة قد أثر سلبًا على الرقابة الحكومية والتنظيم.

وتتطلب معايير ESG الجيدة عملية تطور مستمرة في أذهان المستثمرين والذي بدوره يشكل توقعاتهم للشركات التي يستثمرون فيها، ونستدل على ذلك بظهور أسواق وشركات جديدة ورائدة وخروجها للنور.

وتشجع قضايا كبرى من قبيل البصمة الكربونية وحقوق الإنسان والتنوع على الوفاء -ولو بالحد الأدنى- من معايير الحوكمة، وفي الوقت نفسه يجب أن تقود هذه الأمور إلى تحليل أكثر عمقًا ودقة مع توالي النقاشات والسجالات بين الشركات والمستثمرين.

آسيا

كانت الشركات الآسيوية أبطأ من نظيراتها العالمية لدمج معايير ESG في استراتيجياتها التجارية، لكن المؤشرات الأنية تشير أن هذا الوضع يتغير للأفضل.

إذ يُظهر مالكو الأصول ومديرو الأصول المزيد من الاهتمام ويقومون بالضغط على الشركات للالتزام بمعايير الحوكمة. على سبيل المثال، أعلن صندوق استثمار المعاشات التقاعدية الحكومي الياباني (GPIF) عن عزمه زيادة مخصصات الاستثمارات المتعلقة بالحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) إلى 10٪ بعد أن كانت 3٪. وتبلغ قيمة هذا المبلغ حوالي 29 مليار دولار أمريكي، وهو ما يكفي للتأثير على سلوك الشركات بطبيعة الحال. كما قام مدراء الصندوق بالتوقيع على اتفاقيات معترف بها دوليًا في السياق نفسه.

ماذا يعني ذلك وما مقصدنا من كل ما سبق؟

تطور تحليل ESG عموما إلى ما هو أبعد من عرض القائم، إذ سار يحرك السوق نحو النظر إلى المخاطر والفرص الأوسع نطاقا المتوسطة والطويلة الأجل المرتبطة بالأصول. يتعلق التحليل-في جوهره- بفهم جميع جوانب الاستثمار وأن تصبح مالكًا نشطًا بمجرد قيامك بعملية الاستثمار.

وقد وجدنا أنه، في أي بلد، يعتبر مالكو الأصول ومديروها هم عوامل التغيير الهام، فقد حرص مديرو الصناديق حول العالم على إظهار التزامهم بمبادئ ESG.

وخلال الربع الأول من عام 2020، أدت حالة الطوارئ التي تسبب فيها انتشار الفيروس التاجي إلى حدوث أعنف انهيار في سوق الأسهم منذ الأزمة المالية العالمية، ومع ذلك، فإن الصناديق التي تتبنى شكلاً من أشكال استراتيجية ESG أظهرت تفوقا عاما على الصناديق التقليدية، ما كان الحال خلال السنوات الخمس الماضية.

ورغم ذلك ينبغي توخي الحذر عند تقديم أي تقييمات للأداء على المدى القصير، ويتوقع أن تثبت صناديق ESG إمكاناتها وأهميتها بشكل أكبر بمجرد اكتمال المرحلة الأولى من الانتعاش الاقتصادي. كما لاحظ الكثيرون، أنه على المدى المتوسط​​، هناك فرصة “لإعادة البناء بشكل أفضل” بإنشاء اقتصاد صديق للبيئة، يكون في النهاية أكثر استدامة.

ويعد تكامل معايير ESG لحوكمة الشركات الآن جزءًا من التيار الرئيسي السائد، ومع المستويات المختلفة للالتزام بهذه المعايير من بلد لآخر، فإننا نلحظ اهتماما عاما بمساعدة العالم في معالجة مشاكله. وكما تعلمنا من أزمة الفيروس التاجي، كانت تلك الشركات ذات المعايير الجيدة للحوكمة من بين أقوى الشركات في أوقات اضطراب السوق، فلا شك أن هذه الشركات ستكون في الطليعة لبناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة.

أما بالنسبة للمستثمرين الذين يتطلعون إلى تأمين مستقبلهم المالي، فلا يزال الاستثمار المؤثر اجتماعيا خيارًا موجودا ومقنعًا، ونؤمن بأن هذا النوع من الاستثمار – وغيره أيضا من الأشكال المختلفة- سوف ينمو في السنوات القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق