اقتصاد عالمي

هل تصبح الهند قوى عظمى ؟

ما لبث العالم أدراك حقيقة صعود الصين كقطب ثاني يزاحم الولايات المتحدة على سيادة العالم بعد فترة جمود من سيطرة أحادية أمريكية ابان سقوط الأتحاد السوفيتي عام ١٩٩٠ وبدء تواتر الحديث عن قدوم عملاق أسيوي جديد للساحة العالمية وهو الهند صاحبة خامس أكبر اقتصاد بالعالم حاليا والمقدر ب ٢.٩ تريليون دولار كناتج محلي إجمالي بعدما أزاحت في طريقها دول كبرى كبريطانيا وفرنسا .
وتشير شركة pwc البريطانية المتخصصة في الدراسات والأبحاث الاقتصادية أنه بحلول عام ٢٠٥٠ ستقفز الهند للمركز الثاني عالميا من حيث الناتج المحلي خلف الصين التي يتوقع أن تعتلي عرش الاقتصاد العالمي ومتقدمة على الولايات المتحدة التي ستتراجع بدورها للمركز الثالث عالميا .
فالهند التي كانت على شفا الإفلاس عام ١٩٩١ وأنهار الأحتياطي النقدي لديها لأقل من مليار دولار باتت الاقتصاد الأسرع نموا في العالم .
فما الذي غير المعطيات ودفع الاقتصاد الهندي للأمام ؟

جذب الهند للمستثمرين :
عانت الهند لعقود من التفاوت الطبقي بين طبقة فاحشة الثراء وطبقة أخرى معدومة اقتصاديا ما دفعها لتبني سياسيات أشتراكية فرضت فيها قيودا علي القطاع الخاص وعقبات أمام المستثمرين مثل حرمانهم من تملك الأراضي لعمل مشروعاتهم ما أضعف بدوره الاقتصاد الهندي وخلق مناخ طارد لرؤوس الأموال .
ومنذ العام ١٩٩١ تبنت الهند عدة أصلاحات اقتصادية فكان علي رأس أولوياتها دعم القطاع الخاص وتشجيع المسثتمرين فخفضت الضرائب وحررت سعر العملة وشرع الرئيس الهندي مودي في تخصيص مليون و ١٤٠ ألف فدان كمنقطة أستثمارية تمكن أصحاب الأعمال من تملك الأراضي .

النمو في عدد السكان :
مليار و ٣٠٠ مليون نمسة هذا عدد السكان بالهند فهذا الرقم مصدر جذب كبير للمستثمرين فهو يعني في المقام الأول سوق أستهلاكية كبيرة لمنتجاتهم .
كما يعني أيضا سهولة الحصول على أيدي عاملة بوفرة وتتميز أيضا الأيدي العاملة في الهند عن غيرها بأنخفاض الأجور نظرا لأنخفاض مستويات المعيشة ما يعني للمستثمر ضمان أنتاج سلعته بأقل التكاليف .
تمتلك الهند وقودا آخر لجذب المستثمرين في غاية الأهمية من حيث التركيبة السكانية و هو زيادة نسبة الشباب في المجتمع الهندي بينما بدأت تعاني الصين من تناقص في نسب الشباب نتاج تبني سياسات الطفل الواحد كما عانت الجارة اليايان من قبلها لتناقص عدد الشباب أيضا .

أستفادة الهند من الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين :
حتى الأن الهند تعد المستفيد الأكبر من الحرب التجارية الدائرة بين قطبي الاقتصاد بالعالم حيث تدرس حاليا ألف شركة لمغادرة مقراتها بالصين ونقلها للهند بينهم ٣٠٠ شركة بدأت بأتخاذ الأجراءات بالفعل علي رأسهم شركات أمريكية ويابانية .
فإلى جانب تخوف أصحاب رؤوس الأموال في أن يلحق بهم الضرر جراء النزاع الاقتصادي الحالي تدفع أيضا الولايات المتحدة واليابان شركاتها لمغادرة الصين والتوجة للهند .

التطور الصناعي الهندي :
يتبنى الرئيس الهندي مودي منذ قدومه مشروعا ما يسمى ب ” صنع في الهند ” أسوة بصنع في الصين التي باتت تطبع علي ٢٢ % من المنتجات المتواجدة في الأسواق العالمية .
بينما حتى الأن ٢ % فقط من المنتجات في العالم تحمل شعار صنع في الهند وهو رقم ضئيل نسبيا بحجم الهند من حيث عدد السكان ولكن هناك مؤشرات واعدة لنمو الهند في القطاع الصناعي فأصبحت حاليا ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم حيث تحصل علي ٢٠ % من إنتاج النفط السعودي .
فالهند تحتل حاليا المرتبة الرابعة على مستوى العالم في مجال صناعة السيارات بإنتاج ٤ مليون سيارة سنويا .
وتأتى في المرتبة الثالثة من حيث صناعة الصلب ب ١٠١ مليون طن سنويا .
وقطعت الهند شوطا كبيرا في مجال تكنولوچیا المعلومات والانترنت فيصل عدد مستخدمي الأنترنت بالهند ل ٤٥٠ مليون مستخدم وبالتالي أصبحت الهند محطا رئيسا لرواد صناعة تكنولوچیا المعلومات والمبتكرين في هذا المجال .

عقبات تقف أمام تقدم الهند :
كل هذة الأرقام والأحصائيات التي تشير إلى ميلاد عملاق أسيوي جديد وتوضح حجم الخطوات التي قامت بها الهند في طريقها لتصبح قوى عظمى لا تعني بالضرورة أن الطريق أصبح ممهدا ولا توجد عراقيب تحول دون وصول الهند إلى مبتغاها .

البنية التحتية :
فمازالت الهند تعاني من مشاكل كبيرة على رأسها ضعف البنية التحتية التي تحتاج ١٠٠ مليار دولار لأعادة إصلاحها .
فتفتقد الهند وجود شبكة طرق جيدة كما يعاني سكانها من نقص الخدمات الأساسية فالعديد من القرى في الهند ينقطع عنها التيار الكهربائي نحو ٦ ساعات يوميا أضافة لعدم توفر شبكات الصرف الصحي في العديد من هذة القرى ما يسبب مشاكل صحية ووفيات مبكرة وتعد البنية التحتية عاملا مهما في جذب الأستثمارات بينما ضعفها يعني فقدان العديد من الفرص في هذا المجال .

ضعف التعليم :
بلغت نسبة الأمية بالهند نحو ٣٦ % من عدد السكان أضافة إلى ضعف مستوى التعليم مما يعني نقص الأيدي العاملة الماهرة وبالتالي ضعف كفاءة المنتجات الهندية .

زيادة معدلات الفقر والتفاوت الطبقي :
تعرف الهند دائما ببلد المتناقضات الشديدة في كل شيء وأحد أبرز هذة المتناقضات عبر تاريخها وهو التفاوت الشديد في مستويات الدخول فيعيش ٧٠٠ مليون مواطن هندي تحت خط الفقر بعدما نجح الرئيس مودي في أنتشال ٢٠٠ مليون لبر الأمان .
فحالة الفقر الشديد الذي يعانيه المواطن الهندي تعني ضعف القوة الشرائية في السوق الهندية حيث توجد ٢٥ سيارة لكل ألف مواطن وهذة تعد نسبة منخفضة جدا .
فأصبح لزاما على الهند العمل على زيادة نسبة الطبقة المتوسطة في المجتمع التي تعد المستهلك الأهم والأكبر في كل الأسواق المحلية عبر العالم .

خطر الطائفية :
بنسبة ٨٠ % من عدد سكان الهند يمتلك الهندوس الأغلبية داخل المجتمع الهندي بينما يأتي المسلمون في المرتبة الثانية بنسبة ١٣ % ويليهم أصحاب الديانة المسيحية ب ١.٣ % والباقي من ديانات مختلفة .
فالتركيبة الدينية والأثنية للهند حملت للهند العديد من الصراعات والمشاكل عبر تاريخها
وبصعود الرئيس الهندي مودي المحسوب علي التيار الهندوسي المتشدد والمعادي للمسلمين يضع الهند في مهبة عدم الأستقرار وأرتفاع مؤشرات خطر أثارة القلاقل الطائفية بإستمرار لاسيما و الهند تمتلك تاريخا لا بأس به من الصراع الديني والأثني .

فالهند تقف حاليا في مفترق الطرق ما بين اقترابها من صعودها كقوى عظمى وبين عقبات ومشاكل داخلية من الممكن أن تودي بحلما الثرى .
فترى ما يمكن أن يحمل المستقبل للهند ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق