أخبارملفات

حوار | الهتيمي يكشف الأسباب الخفية وراء الدعم الإيراني لجيش ميانمار وأسرار علاقات طهران بأردوغان والتطبيع مع الاحتلال الصهيوني

كانت المؤشر نشرت مسبقًا الجزء الأول والثاني من حوارها مع الكاتب الصحفي والخبير بالشأن الإيراني أسامة الهتيمي، حول انتهاكات وجرائم إيران في الشرق الأوسط، ودور طهران في مأساة سوريا واليمن.

واليوم ننشر الجزء الثالث من الحوار الشيق مع الهتيمي، والذي دار الحديث فيه عن العلاقات التركية الإيرانية والدعم العسكري الإيراني لنظام ميانمار الإرهابي الذي قتل المسلمين الروهينجا وتسبب في فرار مئات الألاف بل الملايين منهم كلاجئين لدول مجاورة، وكذلك طبيعة علاقة الكيان الصهيوني ببعض العرب وقضية التطبيع وعلاقة طهران بذلك، وجاءت أسئلة الجزء الثالث من الحوار كالآتي:

1- طهران دعمت نظام ميانمار بشحنات أسلحة ومسيرات لقمع المواطنين في رأيك ما المقابل؟
الحقيقة أن هذا الدعم الإيراني لنظام ميانمار العسكري والدموي الذي تم الكشف عنه من خلال بعض وسائل الإعلام الآسيوية في شهر يناير من العام الجاري مثل صدمة للكثيرين من المخدوعين في نظام الملالي إذ تصوروا أن إيران بحق في خندق الدفاع عن المسلمين والمضطهدين وأنها يمكن أن تكون سيفا لمواجهة كل من يعتدي عليهم في الشرق والغرب لكن الحقيقة أنهم فوجئوا بتلك التقارير المتواترة التي تؤكد أن طهران تمد جيش ميانمار بالأسلحة والمسيرات رغم ما عرف عنه من انتهاكات جسيمة بحق المسلمين وهي الانتهاكات التي أسفرت عن نزوح نحو 650 ألف مسلم ومقتل وإصابة عشرات الآلاف منهم ومن ثم فقد آثرت مصالحها السياسية والمالية على المبادئ والقيم والشعارات التي تزعم تبنيها.
ومما لا شك فيه أن بيع إيران لمثل هذه المسيرات للجيش في ميانمار استلزم تبادل للزيارات بين المسئولين وإجراء مباحثات ثنائية – وهو ما أكدته العديد من التقارير بالفعل – ما يعني ببساطة وجود علاقات طبيعية بين الطرفين يبدو أنها لم تستغل من قبل الإيرانيين لإقناع الجيش في ميانمار بالتوقف عن قتل واضطهاد مسلمي الروهينغا فيما تجسدت مهزلة التناقضات المضحكة المبكية في تلك التصريحات التي ما فتأ يرددها بعض قادة النظام الإيراني ومنها ما كان قد دعا إليه رئيس البرلمان الإيراني عام 2017 من تشكيل تحالف عسكري بين بعض الدول الإسلامية لمواجهة قمع القوات المسلحة في ميانمار للروهينغا فضلا عن ذلك التحذير الذي أطلقته طهران فور استيلاء العسكر على السلطة في ميانمار لرعاياها من السفر إلى هذه البلاد وأعلنت أنها على اتصال مع النظام الميانماري الجديد لتأمين عودة رعاياها إلى إيران تعبيرا عن القلق من الأوضاع المستجدة هناك والذي سرعان ما تحول إلى تعاون واتصالات بين البلدين.
والراصد لنهج وسياسات إيران ستسهل عليه عملية تفسير هذا التناقض بين القول والفعل فطهران لا تتردد على الإطلاق في ان تستغل كل موقف لتحقيق مصالحها وبالتالي فإنه ليس مستبعدا أن يكون ملف ميانمار أحد الملفات التي تلاعب بها أمريكا والغرب فيما يخص محادثاتها حول البرنامج النووي واستعراض قدراتها في توتير العديد من المناطق فضلا عن تقديم خدماتها الجليلة لكل من روسيا والصين – الداعمتان لها – واللتان كانتا مصدرين رئيسيين لسلاح الجيش الميانماري فتوقفتا كي لا تتعرضا لإدانة المجتمع الدولي.

2- العلاقات التركية الإيرانية ما هي أبعادها والمصالح المتبادلة؟
العلاقات التركية الإيرانية علاقات قديمة جدا تعود لزمن الإمبراطوريات الواسعة التي تأسست في كل من تركيا وإيران وهي علاقات اتسمت بالهدوء حينا وبالتوتر أحيانا إذ كانت لدى كل إمبراطورية أطماع في السيطرة على أجزاء من الإمبراطورية الأخرى ما تسبب في اندلاع حروب ثم عقد معاهدات واتفاقيات.
والأمر لا يختلف كثيرا في عهدي الدولتين الحديثتين إذ ورغم أن علاقتهما كانت توصف بالجيدة إلا أنها مرت بفترات توتر أيضا اتضح جليا بعد انتصار ثورة الخميني عام 1979م وهو التوتر الذي سرعان ما مر بعد أن تغلبت لغة المصالح المشتركة بين الدولتين واتجاههما إلى تحسين العلاقات البينية بينهما خاصة وأن ثمة مشترك جغرافي وعرقي وديني ولغوي يجمع بين الدولتين وشعبيهما.
ويمكننا باختصار شديد أن نشير إلى الملفات المهمة التي تدفع كليهما إلى توطيد هذه العلاقة ومنها: (الطاقة والغاز – الحرب ضد الإرهاب – مواجهة المخدرات – الوضع في العراق – آسيا الوسطى – منافسة المملكة العربية السعودية والكيان الصهيوني على النفوذ في المنطقة).
فيما أن هناك ملفات بينهما يمكن اعتبارها محفزات للتوتر بين الدولين يبرز منهما: ( الدرع الصاروخي التابع لحلف الناتو – الوضع في سوريا – العلاقات التركية مع “إسرائيل” – اليمن – الصراع بين أذربيجان وأرمينيا )

3- لماذا تصمت الإمارات على الجزر التي تحتلها طهران كل هذه السنوات؟
يوجد شكلان من تحرك أية دولة تخضع بعض أجزاءها للاحتلال من قبل دولة أخرى أحدهما عسكري والآخر دبلوماسي ولقد آثرت دولة الإمارات التحرك الدبلوماسي لاسترجاع جزرها الثلاث المحتلة من قبل إيران في بداية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي وبالتحديد “عام 1971م” وقبيل انسحاب بريطانيا من الإمارات بساعات قليلة وهو حتى الأسلوب الذي لم تتجاوب معه إيران إذ رفضت دعوات الإمارات إلى إحالة القضية لمحكمة العدل الدولية.
ولعل ثمة أسباب عديدة دفعت الإمارات لسلوك الحوار والدبلوماسية في التعاطي مع ملف الجزر يأتي في مقدمتها التباين الشديد في القدرات العسكرية لكل من الإمارات وإيران فضلا عن نجاح إيران طيلة السنوات الأربعين الماضية في أن تجند الكثير من الأذرع الولائية لها في العديد من البلدان مما يمكنها من توتير الأجواء وإيجاد حالة من الفوضى وعدم الاستقرار فهي إذن ربما في نظر الإمارات لا تعدو عن كونها بلطجي الحارة الذي يتقى شره.
يضاف إلى ذلك أن حالة من الاستقطاب السياسي الحاد والتي طغت على العلاقات العربية – العربية بل والعلاقات الخليجية الخليجية مما أفقد معه حالة الزخم السياسي والإعلامي بل والشعبي في دعم الإمارات لاستعادة حقوقها في الجزر الثلاث.

4- هل تسعى الدول المطبعة مع الاحتلال للاحتماء بالتطور العسكري الصهيوني والأنظمة الدفاعية خوفا من إيران؟ وهل تخوف “إسرائيل” العرب بإيران من أجل التطبيع؟
دعنا نقولها بصراحة شديدة وبدون مواربة إن من أهم الاخطاء الإستراتيجية التي وقع فيها العرب في مواجهة النفوذ الإيراني والسياسيات الإيرانية في المنطقة هو الربط بين المواجهة والتطبيع مع الكيان الصهيوني مظنة أن التعاون والتنسيق مع الاحتلال الصهيوني باعتبار أن إيران عدو مشترك سيجعلهما قوة قادرة على مواجهة هذا النفوذ ذلك لأن هذا التعاون بين العرب والاحتلال الصهيوني هو في حد ذاته قوة إضافية تضاف لإيران فضلا عن أنه إضعاف للقضية الأولى للعرب وللأمة الإسلامية كلها وهي قضية “فلسطين”.
إن هذا التعاون بين العرب والاحتلال سيكون مبررا لإيران لتوسيع نفوذها ويمنحها قدرة أكبر على الاستقطاب الجماهيري العربي والإسلامي والذي سيكون بلا شك داعما قويا لها بدعوى أن العرب بالفعل مهلولون ومطبعون فيما أن غيران تقود حلف الممانعة والصمود ضد الاحتلال الصهيوني .
لكن دعنا نشير أيضا إلى أن هذا التطبيع هو هدف أمريكي تضغط واشنطن بكل السبل لتحقيقه وربما هو أحد أهم الأهداف الأمريكية من وراء التواطؤ مع إيران وعدم تحركها لحسم الكثير من الأزمات معها إذ إضعاف إيران والحد من نفوذها يقلل من فرص التطبيع العربي مع الاحتلال الصهيوني ومن ثم فإن بعض الدول العربية تتعرض لضغوط أمريكية جادة من أجل إتمام عملية التطبيع.
ولا ننسى أن هذه التداعيات تكشف حقيقة الموقف الإيراني فلو أن إيران تمثل بالفعل مكسبا لقوة المسلمين لما كانت بسياساتها وتحركاتها هاجسا يرعب العرب ويمنح المطبعين مبررا لتوطيد علاقتهم بالاحتلال الصهيوني لكنها والاحتلال يدركان أن بقاء كل منهما يمنح الآخر قدرة على البقاء واستنزاف قدرات دول المنطقة العربية.

5- الى متى يصمد نظام خامنئ اقتصاديا وسياسيا ويحمل الرؤساء تبعات سياسته ما حقيقة الأحاديث عن ضعف النظام الداخلي؟
ربما يغيب عن الكثيرين أن إيران دولة غنية بمواردها الطبيعية فهي تحتل مراتب متقدمة في إنتاج النفط والغاز والكثير من المعادن فيما تمتلك عددا من الأنهار العذبة والأراضي الصالحة للزراعة وتنوع المناخ وهي الموارد التي مكنتها من أن تصمد أمام العقوبات الاقتصادية الدولية التي فرضت عليها في السنوات الأولى من انتصار ثورة الخميني عام 1979م خاصة وأن الخميني ورجاله من بعده نجحوا وباقتدار في توظيف الشعارات الأيدلوجية التي خدعت قطاعات شعبية وجماهيرية عريضة على أمل أن تتحسن الأحوال وأن تتحقق النهضة والوعود المنشودة.
والحقيقة أن الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع مجموعة 5+1 عام 2015 كان بمثابة العامل الذي أيقظ الشعب الإيراني على حقيقة مفادها أنه لا أمل في تحقيق طموحات الشعب الإيراني في ظل هذا النظام السياسي فمع رفع العقوبات وانهاء حالة الحصار الاقتصادي لم تشهد إيران أي تحسن في اتقصادها بل رما ازدادات الأوضاع سوءا حتى أن الكثير من التقارير ذهبت إلى أن الفساد السياسي والاقتصادي يتحمل نسبة 65 % مما يعانيه الشعب الأمر الذي يعني أن هناك أزمة حقيقية في بنية النظام الإيراني وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى تصاعد ظاهرة الاحتجاجات الشعبية حتى أضحت خبرا شبه يومي بل ووصلت في بعض الأحيان إلى انتفاضة عمت أرجاء المحافظات الإيرانية وأرعبت النظام مما اضطره إلى التدخل ليتعامل معها بغشم أمني أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال للآلاف.
وبالطبع فإن هذه الاحتجاجات مؤشر على تردي أوضاع النظام رغم أنه لا يمكن التعويل عليها في الوقت الحالي لحسم إسقاط النظام ذلك أنه لا بد من توافر العديد من العوامل في هذا الحراك الشعبي الإيراني ليحقق هذا الهدف غير أنه لا يزال يغيب بعضها وبالتالي فإن المسألة تحتاج للمزيد من الصبر والعمل الدؤوب.

6- هل يتسلح خامنئي بولاء الميليشيات والحرس الثوري في مواجهة معارضيه من النظام والمواطنين؟
أعتقد أنك وضعت يدك على حقيقة قوة نظام ولاية الفقيه فالتجبيهه والحشد الأيدلوجي هو السلاح الأقوى في يد على خامنئي الذي به يمكن أن يطيح بكل الأعداء والمناوئين بدعوى أنهم خونة أو مرتدين وهو السلاح الذي سقط به الكثير والكثير من الضحايا.
ولعل المهتمين بالشأن الإيراني تابعوا كيف كانت تتعامل قوات “الباسييج” التابعة للحرس الثوري مع التظاهرات والاحتجاجات والأساليب التي اتبعتها هذه القوات التي يفترض أنها من المتطوعين لإجهاض أي حراك دون رحمة أو رأفة أو تمييز بين رجال ونساء ومطالب مشروعة وأخرى سياسية.

7- تهديدات طهران الدائمة بغلق مضيق هرمز ما مدى فاعليتها وحقيقة تطبيقها في وجود دولة مثل مصر تتحكم بسواحل البحر الأحمر؟
بشأن هذه القضية يحلو لي أن أميز بين أمرين أحدهما مدى قدرة إيران على غلق مضيق هرمز وثانيهما مدى استعدادها لفعل ذلك والحقيقة ان إيران بالفعل تمتلك القدرة على غلق المضيق فهي تتطل عليه وتتحكم في عدد من الجزر بالمضيق ومن ثم فإنه يمكن أن تثير قلقا أمنيا وعسكريا بالغا في المضيق تدفع شركات النقل للاحجام عن المرور به خشية التعرض لمكروه إلا أنها لا تريد فعل ذلك وغير مستعدة له لما له من تداعيات خطيرة عليها أولا قبل غيرها فطهران تدرك أن المضيق يمثل أحد أعمدة الاقتصاد العالمي إذ يمر عبره نحو 40% من نفط العالم لمحمول بحرا فضلا عن أنه المنفذ الوحيد لبعض الدول الخليجية والعراق وبالتالي فإن العالم لن يصمت على هذا الإغلاق.
لكن وكما لاحظنا في السنوات الأخيرة والتي شهدت ما عرف بحرب السفن أو في ثمانينات القرن الميلادي الماضي وما عرف بحرب الناقلات فإن إيران توظف بشكل جيد تهديدها للملاحة في المضيق للضغط على القوى الدولية وهو ما عبر عنه بشكل صريح الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني الذي أكد أن منع إيران من تصدير نفطها يعني منع الآخرين.

8- أخيرا كيف ترى خطورة ترويج ايران لنفسها وادعائها بأنها دولة إسلامية على العالم الإسلامي؟
أعتقد أنه بات واضحا للكثيرين أن لإيران مشروع سياسي قومي يتدثر بالإسلام فهي دولة ذات عرقية ولغة مختلفة عن أغلب الدول في المحيط الجغرافي الذي تقع فيه فضلا عن أنها وحتى بعد ثورة الخميني التي رفعت شعارات إسلامية لم تكن إضافة للأمة الإسلامية بل على العكس تماما كانت مصدرا للقلاقل وعدم الاستقرار ويكفي أنها كانت السبب في اندلاع أطول حرب في القرن العشرين وهي حرب الثماني سنوات التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الإيرانيين والعراقيين وكبدت الدولتين نحو 400 مليار دولار بالإضافة إلى ما أوجدته من صراعات في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وبعض دول الخليج في مقابل أنها لم تمثل أي تهديد حقيقي للكيان الصهيوني الذي ورغم كل الاعتداءات التي يقوم بها على إيران ومصالحها لم تتحرك إيران بشكل جاد للرد عليها.

Print Friendly, PDF & Email